شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (41) المتسربون من التعليم... مسئولية مَن؟ (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن أطفال اليوم هم شباب المستقبل ورجاله؛ لذا فهم أهم ثرواتنا، ومن أخطر القضايا التي تتعرض لها بلادنا تسرب الأطفال من التعليم خلال فترة التعليم الأساسي قبل اكتساب مهارات الكتابة والقراءة، ومبادئ الحساب والعلوم الأساسية، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية؛ خاصة في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات التي يتسم بها العصر.

لقد أدركت الدولة أهمية التعليم في سنوات الطفل المبكرة؛ إذ هو الركيزة التي يتسلح بها الفرد في مواجهة أعباء الحياة، والتقدم العلمي الكبير في شتى المجالات؛ لذا دمجت الدولة التعليم الابتدائي والإعدادي في مرحلة واحدة تحت اسم: (مرحلة التعليم الأساسي)، تمتد من العام السادس للطفل إلى العام الخامس عشر من عمره، وجعلتها مرحلة إلزامية، ويعاقب قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981م والد الطفل أو المتولي أمره إذا تخلف الطفل أو أنقطع دون عذر مقبول عن المواظبة على الحضور إلى المدرسة، وتتعدد العقوبة بتكرار المخالفة، وللأسف لم يعرف هذا القانون طريقه إلى التطبيق الكامل بعد.

إن التعليم الأساسي في هذه الفترة المبكرة يوفِّر للطفل الحد الأدنى من الاتجاهات والمهارات والمعارف اللازمة للاستمرار في التعليم، وللارتفاع بمستوى الإنتاج وجودته ومستوى معيشة الأسر، فالتعليم في المدارس الابتدائية والإعدادية من العوامل الأساسية لتكوين الطفل وإكسابه المهارات، وتكملة دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية؛ إذ لا يقتصر دور المدرسة على كونها مؤسسة تعليمية وتربوية فحسب، بل أصبحت أيضًا مؤسسة اجتماعية على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، ففقد دور المدرسة في حياة الطفل من خلال التسرب من التعليم في هذه المرحلة من أخطر المشكلات التي تواجه التعليم في مصر، وتنعكس آثارها السيئة على الطفل وأـسرته والمجتمع، بداية من زيادة نسبة الأمية ومرورًا بمشاكل ارتفاع نسبة عمالة الأطفال في السن المبكر وزيادة نسبة الانحراف السلوكي، وضعف المساهمة في التنمية.

وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة التسرب من التعليم في مصر، ففي الوقت الذي يزيد فيه عدد التلاميذ في المدارس عن 17 مليون تلميذ، تشير البيانات الأولية لتعداد السكان لعام 2006م - 2007م أن نسبة المتسربين مِن التعليم الأساسي 37 و2 %، ونسبة مَن لم يلتحقوا بالتعليم 76و5 %.

وهذه ظاهرة يجب أن نهتم بها عند الحديث عن التعليم؛ لأنها تعني أن هناك قصورًا في التعليم الأساسي ينبغي الاهتمام به، والتعامل معه وعلاجه (راجع في ذلك: "المتسربون من التعليم: دراسة ميدانية"، إعداد: دعاء عبد العزيز أنور- الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط. أولى 2017 م: ص 18، 22 - 23) .

اهتمام الإسلام بالأطفال:

اهتم الإسلام بتربية الطفل اهتمامًا كبيرًا ابتداءً من حسن اختيار الزوجة الصالحة -أم المستقبل- المناسبة لهذه المسئولية وحسن اختيار اسم الطفل عند ولادته وإتمام إرضاعه عامين كاملين، إلى تأديبه وتنشئته على الصلاة والعمل الصالح، وحسن الخلق، وتحفيظه ما يقدر عليه من القرآن الكريم، وتعريفه بالرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، مرورًا بالعناية به بدنيًّا وصحيًّا، وعاطفيًّا ونفسيًّا، وفكريًّا وعلميًّا من خلال أساليب تربوية عديدة يتبعها الوالدان والمربون.

وهذا باب واسع يؤكد لمن درسه وتأمله من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عناية الإسلام الكبرى بالأطفال، وتحميله الوالدين والمربين ومن خلفهم المجتمع كله مسئولية ذلك، وإرشادهم إلى كيفية القيام بأعباء هذا الدور الخطير (راجع في ذلك: "منهج التربية النبوية للطفل"، تأليف: محمد نور سويد - دار الوفاء - المنصورة) .

اهتمام الإسلام بتعليم الأطفال:

وفي مجال تعليم الطفل القراءة والكتابة، وأساسيات علوم العصر ومعارفه، نرى الاهتمام بذلك واضحًا في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه كان المسلمون من بعده جيلًا بعد جيل، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إنه لا يوجد في التاريخ دين مثل دين الإسلام حرص على تعليم أبنائه، ولا ننسى أن العرب في العهد النبوي كانوا أمة لا تقرأ ولا تكتب، ولا تهتم بذلك، فصاروا بعد الإسلام لهم السبق في العلوم، وقادة للحضارة البشرية لقرونٍ طويلةٍ لما حباهم الله -تعالى- بعد الدخول في الإسلام مِن حبِّ العلم والتعلم من الصغر.

والأمثلة على ذلك من السنة النبوية -وهي البداية- كثيرة، فمنها:

- ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ (وهي أول غزوة في الإسلام حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة) لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ" ("رواه أحمد بسندٍ حسنٍ، وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي". وانظر: المرجع السابق ط. دار الوفاء الرابعة 1413 هـ - 1993 م، ص 229) .

- ما رواه أبو يعلى وابن عساكر عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "أتي بي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعجبه ذلك، قال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي، فتعلمته، فما مضي لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كتب، وأقرأ إذا كتبوا إليه. قال ابن عمر: وكان زيد بن ثابت يكتب الكتابين جميعًا: كتاب العربية، وكتاب العبرانية" (المصدر السابق: 231 - 232، 237) .

وقد كان زيد من كُتَّاب الوحي، وهو الذي أشرف بعد ذلك على كتابة المصحف في عهد عثمان -رضي الله عنه-، وكان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- العديد من صغار الصحابة وشبابهم يكتبون الوحي، ثم كتبوا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، بعد أن أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بكتابة أحاديثه.

الصفحة التالية