الفساد (41) المتسربون من التعليم... مسئولية مَن؟ (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- وعن عبد الله بن سلمة عن أبيه سلمة قال: "دفع إلي أبي بديل بن ورقاء كتابًا، فقال: يا بني هذا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستوصوا به، فلن تزالوا بخير ما دام فيكم، فذكر الحديث... وفيه: أن الكتاب كان بخط علي بن أبي طالب".
- وكان سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه.
- وعن مالك بن أنس -رضي الله عنه- قال: "قلتُ لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعالَ، فالبس ثياب العلم، فألبستني مسمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن" (المصدر السابق، 233 - 235) .
ولما كثر خطأ أطفال المسلمين في قواعد اللغة العربية تنبه لذلك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وخاطب العلماء بتقعيد القواعد وتعليمها للأطفال خشية من استفحال عجمة اللسان، وقد قام بذلك أبو الأسود الدؤلي حيث قيَّد قواعد النحو بناءً على توجيهٍ مِن علي بن أبي طالب (المصدر السابق، 229 - 230) .
- وكان الحسن بن علي يقول لبنيه وبني أخته : "تعلموا، فإنكم صغار قوم اليوم، وتكونون كبارهم غدًا، فمَن لم يحفظ منكم فليكتب".
- وكان عطاء بن أبي رباح يقول للغلمان: "اكتبوا فمَن لا يحسن كتبنا له، ومَن لم يكن معه قرطاس (أي ورق للكتابة) أعطيناه من عندنا" (المصدر السابق، ص 221) .
ما المراد بالتسرب مِن التعليم؟
المراد بالتسرب هو: ترك التلميذ مقعد دراسته، وعدم العودة إليه، بخلاف الهروب فيقصد به تعمد التغيب عن المدرسة أثناء اليوم الدراسي دون علم أو إذن من المدرسة أو الوالدين.
ويمكن تقسيم التسرب من التعليم إلى نوعين:
أ- تسرب ناتج من عدم التحاق الطفل بالمدرسة الإلزامية.
ب- تسرب نتيجة انقطاع التلميذ عن الذهاب إلى المدرسة بعد قضاء عام أو أكثر في الدراسة، أي عدم الوصول إلى نهاية المرحلة الأساسية الإلزامية.
وهذا التسرب يزداد كلما ارتقينا في الصفوف الدراسية، فكلما ازداد تقدم الطفل في العمر زاد نمو جسمه؛ مما يساعده على التوجه إلى سوق العمل.
وهذا التسرب هو مصدر أساسي للأمية في البلاد، وهو أكثر في المناطق النائية والريفية عنه في المناطق الحضرية، وهو أكثر في القرى عنه في المدن، وأكثر في الأسر الفقيرة عنه في الأسر المقتدرة، وأكثر في الإناث عنه في الذكور.
ويختلف التسرب حسب ظروف كل منطقة اقتصاديًّا واجتماعيًّا، لكنه يتناسب عكسيًّا مع نضج الوعي التعليمي للمنطقة الموجودة فيها المدرسة.
العوامل التي تؤدي إلى التسرب من التعليم:
عوامل التسرب متعددة ومتشعبة، تتعلق بالأسرة برضاها أو باعتباره أمرًا واقعًا، وتتعلق بالمدرسة بضعف إمكانياتها وإدارتها، وبمناهجها الدراسية ومدرسيها، وتتعلق كذلك بالطفل نفسه.
أولًا: العوامل الأسرية وهي عديدة، منها:
1- تفكك الأسرة ووجود الخلافات العائلية.
2- تغيب الأب باستمرار عن المنزل، وعدم وجود الرقابة الواجبة على الطفل.
3- تردي أحوال الأسرة من حيث المستوى الثقافي والصحي، وعدم وعي الآباء وجهلهم بأهمية تعليم أبنائهم أو بأهمية استمرارهم في الدراسة.
ثانيًا: العوامل الاجتماعية وتتضمن أمورًا، منها:
1- العادات والتقاليد في بعض المناطق الريفية التي لا تتحمس لتعليم الفتاة أو ترفض اختلاط الفتاة بفتيان غرباء، أو تميل إلى تزويجها في سن مبكرة؛ وعليه لا تحرص على تعليمها، بل ترى أنها لا حاجة لها إليه.
2- افتقاد الاهتمام بأحوال الأبناء ومتابعتهم وتحفيزهم للتعلم، وبالتالي: فقد الأطفال للدافع والميل نحو التعليم.
ثالثًا: العوامل الاقتصادية:
وهي عوامل أساسية: كافتقاد القدرة على مصروفات التعليم ومستلزماته، ومِن أسباب ذلك:
1- انخفاض مستوى معيشة الأسرة، وضعف دخل ولي الأمر بدرجةٍ تدفعه إلى دفع الأبناء لسوق العمل من الصغر قبل استكمال تعليمهم الأساسي.
2- ارتفاع تكاليف التعليم بالنسبة للأسرة رغم كل قيل وما يُقال عن مجانية التعليم، خاصة مع انتشار الدروس الخصوصية خارج المدرسة والمجموعات داخل المدارس، وذلك في كل سنوات الدراسة بلا استثناء، خاصة مع كثرة عدد الأطفال داخل الأسرة.
رابعًا: العوامل التي تتعلق بالمدرسة والتدريس، ومنها:
1- افتقاد وجود مدارس ابتدائية أو إعدادية قريبة في بعض المناطق، أو عدم ملاءمة موقع المدرسة لذهاب الطفل الصغير وانتقاله إليها، وبالتالي حاجته للمساعدة اليومية ممَن يتولى أمره في ذلك أو تخصيص مَن يقوم بذلك، وما فيه مِن تكلفة ومشقة.
2- النقص في أعداد المدارس بالنسبة لأعداد التلاميذ الكبيرة، ونقص الخدمات بها، وقلة عدد الفصول فيها، وبالتالي ارتفاع الكثافة فيها، وكثرة الحصص، وقلة فترات الراحة بينها، وافتقاد الأنشطة التكميلية الثقافية والرياضية، وبالتالي افتقاد التلاميذ للراحة البدنية والنفسية فيها، وافتقادهم الاستفادة المرجوة منها.
3- عدم صلاحية بعض المباني المدرسية للعملية التعليمية؛ مما يتسبب في التعب والإجهاد للتلاميذ.
4- قصور مناهج التدريس وافتقارها إلى التشويق والجذب، ونقص الكتب الدراسية أو تأخر استلامها، وضعف الكفاءة العلمية والتربوية في التدريس، واعتماد التعليم على النواحي النظرية لا العملية والتلقين والحفظ لا الممارسة والتجربة العملية.
5- عدم توافق المواد الدراسية مع سوق العمل واحتياجاته.
وبالنسبة للإدارة التعليمية فهناك:
1- نقص في أعداد المدرسين خاصة في بعض التخصصات.
2- عدم القدرة على تطبيق قوانين إلزام أولياء الأمور بتعليم أبنائهم التعليم الأساسي، والعجز عن متابعة التلاميذ ومشكلاتهم، وضعف شعور الآباء خاصة في الأسر الفقيرة بجدية الدراسة في التعليم الأساسي وأهميتها لأبنائهم.
3- افتقاد دور المختصين الاجتماعيين بالمدارس على أهميته في التعامل مع التلاميذ أصحاب المشاكل الاجتماعية والأسرية، والتعامل مع أي بوادر ومظاهر لانحرافاتٍ سلوكيةٍ مبكرةٍ، بالتعاون والمشاركة مع المعلمين في الفصول، وأولياء الأمور في البيوت.
4- انحصار أساليب الامتحانات على قياس الجانب المعرفي النظري المرتبط بالحفظ والتذكر، وغياب الجانب المهاري والعملي والابتكاري.