شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (15) الصبر

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الشاهد من الآيات على الصفة: قال الله -تعالى-: ( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا ) (الفرقان:75) ، قال السعدي: "أي: المنازل الرفيعة والمساكن الأنيقة الجامعة لكل ما يشتهى وتلذه الأعين؛ وذلك بسبب صبرهم نالوا ما نالوا، كما قال -تعالى-: ( وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ . سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (الرعد:23- 24) ".

- ما وصلوا إلى هذه الصفة مِن (حسن الخلق، والحلم، والتواضع، والعلم، وقيام الليل، والخوف من عذاب الله، والتوسط والاعتدال، والسلامة من كبائر الذنوب، وإخلاص التوحيد، وملازمة التوبة، وهجر مجالس اللغوو الزور، والسعي في إصلاح الأهل والذرية، وتحمل مسئولية الدين وإمامة المسلمين) إلا بالصبر (1) : ( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ) (الفرقان:75) .

- مدخل العناصر: صبرهم اشتمل على كل أنواع الصبر (الصبر على طاعة الله، والصبر على معصية الله، والصبر على أقدار الله المؤلمة).

(1) أنواع الصبر:

- اجتمعت الأنواع الثلاثة في موضعٍ واحدٍ في القرآن: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) (لقمان:17) .

النوع الأول: الصبر على طاعة الله:

- وهو المواصلة والمجاهدة في طاعة الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الراحة والكسل، وتحمل المصاعب والمشاق (2) : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) (النجم:37) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ) (رواه البخاري) ، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً" (رواه مسلم) ، وحين سُئلت عائشة -رضي الله عنها- عن عمله -صلى الله عليه وسلم-؛ قالت: " كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً" (رواه البخاري) .

النوع الثاني: الصبر عن معصية الله:

- وهو المواصلة والمجاهدة في ترك معصية الله حتى تلقاه، وعدم الالتفات إلى داعي الشهوات واللذات، وتحمل المصاعب والمشاق: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف:23) ، (مع وجود كل دواعي المعصية).

النوع الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة:

- وهو التسليم لقضاء الله وقدره، والرضا بما قدره الله مما يشق على النفوس: قال -تعالى-: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) (البقرة:155-156) .

وقال عن يعقوب -عليه السلام: ( قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:18) ، وقال عن أيوب: ( إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (ص:44) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- للمرأة السوداء: ( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولكِ الجنةُ ) (متفق عليه) .

(2) فوائد حول أنواع الصبر:

- هي أربع فوائد: (الصبر منه اختياري واضطراري - أيهما أكمل وأفضل؟ - أفضل أنواع الصبر- الصبر فطري أم كسبي).

أولًا: الصبر على الطاعة وعن المعصية يكون اختياريًّا، وأما الصبر على الأقدار المؤلمة فيكون اضطراريًّا. وهذه أمثلة:

- من الأول: صلاة الصبح في جماعة، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في فعل الطاعة. فصبره اختياريًّا.

- ومن الثاني: عدم شرب الدخان أو مشاهدة الأفلام، فيها كسب من العبد واختيار، حيث يجاهد نفسه في صبره عن فعل المعصية،

- ومن الثالث: فقد ولد الإنسان، دون كسب منه ولا اختيار، وصبره اضطراري؛ لأنه إن لم يصبر فلن يغير شيئًا.

ثانيًا: الصبر الاختياري أفضل وأكمل من الصبر الاضطراري:

ومن أمثلته:

- صبر يوسف -عليه السلام- عن مطاوعة امرأة العزيز كان أكمل من صبره على إلقائه في البئر والسجن (1) .

- صبر إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في محنة الذبح كان أكمل من صبر يعقوب -عليه السلام- على فقد ولده.

- صبر الأنبياء الذين حملوا الرسالات وعاشوا يعلمون الناس أكمل من صبر أيوب -عليه السلام- على المرض (2) .

ثالثًا: أفضل أنواع الصبر:

- اختلفوا في ذلك ورجح شيخ الإسلام الصبر على الطاعة، ورجح غيره الصبر على المعصية، وتوسط ابن القيم حيث رأى الأفضلية على حسب الوقت والحال من باب "واجب الوقت".

رابعًا: الصبر فطري أم كسبي؟

- هو فطري وكسبي (3) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ) (متفق عليه) ، وقال قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ ) (متفق عليه) .

- ما أحوجنا إلى التصبر والاعتبار للوصول إلى الصبر: (انظر إلى الطالب يريد النجاح وكيف يصبر على مشقة المذاكرة، وانظر إلى الغريب المسافر وكيف يصبر على آلام الغربة؛ لأنه يريد تحقيق هدفه، وانظر إلى المريض الذي يريد الشفاء كيف يصبر على الدواء المر (4) ، فنحن أحوج؛ لأننا نريد النجاة من النار والفوز بالجنة.

(1) من ثمرات الصبر:

- لو لم يكن له ثمره إلا أنه سبب لنيل هذه الصفات في الدنيا ونيل أجرها في الآخرة، لكفى به نعمة على العبد: ( أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ) (الفرقان:75) .

- كثرة ذكره في القرآن دليل على عظم فضله وأثره: قال الإمام أحمد: "الصبر في القرآن في نحو تسعين موضعًا".

الصفحة التالية