7- واهدني لأحسن الأخلاق
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
و من الأخلاق الحسنة مقابلة الإساءة بالإحسان وسرعة العفو والصفح وقبول المعذرة ، قال سبحانه وتعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن) ، وقال أيضا (ادفع بالتي هي أحسن السيئة) ، وقال عز وجل عن المؤمنين: (ويدرؤون بالحسنة السيئة) ، فإن كان بينك وبين أحد خصومة ، فأساء إليك ، فانظر كيف تعامله إذا كنت تريد أن تعرف منزلتك من حسن الخُلق وهل هُديت إلى أحسن الأخلاق؟ ، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان فأنه يدل على كمال حُسن الخُلق.
وكذا سرعة العفو والصفح وقبول المعذرة، هناك من تجده بطيء العفو وربما لا يعفو، و لا يسهل عليه أبدا أن يعفو ويصفح، وإذا جاءه أحد معتذراُ أذ له وأهانه وأذاقه كأس الهوان الأمر الذي يمنع الناس من أن يعتذروا إليه ، وتأمل كيف أن يوسف عليه السلام بادر إلى العفو والصفح وأحسن إلى من أساء إليه من إخوته.
وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو ا بن عم النبي صلى الله عليه وسلم من أشد الناس إيذاءا له عليه الصلاة والسلام، وكان يهجوه في أشعاره ، و تأخر إسلامه إلى عام الفتح ، حيث أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى فتح مكة، فلما أتى مسلما تذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع منه فكان يُعرض عنه بعض الإعراض ، فشكا أبو سفيان إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ذلك ، فقال له:ائته من قبل وجهه ، وقل له تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن مردود ا منه ، فأتاه من قبل وجهه وقال: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، و كان بعد ذلك لا يحجبه وكان يقول: عسى أن يجعل الله منه خلفا لحمزة ، وكان بالفعل من شُجعان الفرسان وممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنين.
ومن الأخلاق الحسنة المروءة في اللسان و المال و الجاه.
والمروءة في اللسان بحلاوة المنطق ولينه ، فليس من المروءة أن يتكلم الإنسان كلاما حسنا في حد ذاته ولكن بأسلوب غليظ ، ، فالكلام يكون بالرفق واللين في الطريقة ويكون نوع الكلام نفسه حلو ا طيبا.
والمروءة في الخُلق بسعته وانشراح الصدر في معاملة الخلق َ ، بمعنى: أن يكون الإنسان ذا صدر واسع يحتمل الناس، فتجد بعض الناس عنده ضيق ، لا يحتمل أحدا؛ فبمجرد أن يكلمه أحد في شيء لا يعجبه يضيق به ، فمن عند ه مروءة في الخلق يكون عنده انشراح وسعة صدر في معاملة الناس ، وهذا إنما يحصل بانشراح الصدر بالإسلام وبالإيمان.
والمروءة في المال ببذله في المواقع المحمودة شرعا كصلة الرحم و الإحسان إلى الجار و الإحسان إلى الملهوف والصدقة والنفقة في سبيل الله فيُبادر بالنفقة ولا يكون بخيل ا بالمال.
والمروءة في الجاه: ببذله للمحتاج إليه، فلو أن الإنسان عنده منزلة وكلمته مسموعة عند الناس وأتاه أحد الأشخاص يطلب وساطته، وهو محتاج لهذه الوساطة فيبذلها ويشفع شفاعة حسنة ويُعين بجاهه من يحتاج إليه من المسلمين.
ومن الأخلاق الحسنة القُرب من الخلق بحيثُ يجدونه في أزماتهم ومشاكلهم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل مؤمن هين لين قريب سهل) فالناس تشعر بأنه قريب منها وليس بعيد جدا لا يشعر بهم، لا يعنيه الشعور بآلام الناس ومشاكلهم وأزماتهم، فقد كانت الوليدة (الأمة أي الجارية) من ولائد المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيثُ شاء ت، وكانت امرأة في عقلها شيء فخلا النبي صلى الله عليه وسلم بها في بعض الطرق فقضى حاجتها ، فالقُرب من الخلق صفة مطلوبة للمسلم والمؤمن عموما وللداعية خصوصا ، فيجده الناس في أزماتهم ومشاكلهم يحمل الك َ ل، ويُكسب المعدوم، ويُقري الضيف ، كما استدلت خديجة رضي الله عنها: أن الله لا يُخزي محمدا صلى الله عليه وسلم بهذه الصفات ، فمن كان كذلك لا يُخزيه الله كما قالت: "والله لا يُخزيك الله أبدا فإنك تحمل الكل وتُكسب المعدوم وتُقري الضيف وتعين على نوائب الحق".أي إذا أصابت الإنسان نائبة أومصيبة وجده صلى الله عليه وسلم معينا.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحسن إلى الخادم والمملوك فضلا عن الأهل، فأنس رضي الله عنه كان خادم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين ولم يقل له لشيء فعله ، لم فعلته؟ ، ولا لشيء تركه ، لم تركته ؟، ويعتذر لأهله عما تركه أنس ويقول: دعوه فإنه إن قُدر شيءٌ كان، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ينتقم لنفسه ولا ضرب خادما ولا مملوكا ولا أمة ولا امرأة إلا أن يُجاهد في سبيل الله.
و كان كل من يرى يوسف عليه السلام يقول له: إنا نراك من المُحسنين، وسيدنا يوسف دخل السجن ومع ذلك لم يكن مهموما مغموما ولم يقل " أدخلتموني السجن ظلما "، بل كان يعود المريض ويواسي المحزون ويُحسن إلى الناس في داخل السجن بالرغم من أنه لا يملك شيئا، فالإنسان ممكن أ لا يسع الناس بماله بل بخُلقه والكلمة الطيبة، لذلك قال الصاحبان لسيدنا يوسف: (نبأنا بتأويله إنا نراك من المُحسنين) ، فالإحسان أمر ظاهر، ففي السجن كان محسناُ وفي الملك كان محسنا ، و قال إخوته : (يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) .
