شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

7- واهدني لأحسن الأخلاق

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

و الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ الكمال البشري في هذه الصفات، فكان يُجالس المساكين ويُجيب الدعوة ولو إلى شيءٍ يسير، فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب الدعوة إلى إهالة سنخة وهي دُهن متغير بدأ يكون فيه بعض النتن ، لكنه لم يُنتن النتن الذي يضر، فكل من تشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون له نصيب من من هذا النور بقدر، فنريد أن يكون تشبهنا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ليس فقط في الهيئة الظاهرة ولكن أيضا في الصفات المذكورة . فالمسلم الصالح يمشي مع الأرملة واليتيم والمسكين ليقضي حوائجهم ، ويبدأ بالسلام من لقيه فأبو بكر الصديق رضي الله عنه مشي مع بعض صغار الصحابة فكان إذا لقيه أحد بادره أبو بكر بالسلام من بعيد ولا ينتظر الناس أن تلقي عليه السلام حتى يرده. ولابد أن يكون العبد هينا لينا سهلا، فالهين عنده تواضع ، لَيِّن في الكلام والمعاملة سهل في التعامل ، فليس هناك صعوبة في الوصول إليه ولا أن تقضي حاجتك منه، ليس عنده حده في الطباع ولا شدة ولا غلظة.

و أيضا فالمسلم يعود المريض ويشهد الجنازة ويرد السلام ويشمت العاطس وينصح السائل ويعطي من حرمه ويصل من قطعه ويعفو عن من ظلمه.

فتعطي من حرمك والذي منع أن يعطيك وأنت محتاج فعندما يرزقك الله تعطيه، وتصل من قطعك و قد قال صلى الله عليه وسلم: (وليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعوه وصلهم) وتعفو عمن ظلمك ، فلا تتكبر ولا تحسد ولا تتعالى على الخلق ولا تبغي ف تجاوز الحدود ، ولا تفخر بأن تقول أنا فلان ، أنت لا تعرف من أنا! .

و كذلك المسلم لا يغش الناس في بيع ولا شراء ولا معاملة ، ولا يتبع المحرم من شهوات الجنس أو شهوة المال أو شهوة الطعام والشراب أو شهوات الرياسة والملك .

وكذلك لا يُخاصم لنفسه بل لله عز وجل ولا يعاتب أحدا في حقها، فلا يعاتب الناس كثيرا ويقول لهم أنت قصرت في حقي وفعلت كذا وأنت صدر منك كذا. لا... بل يتنازل عن حقه، وإنما يُخاصم لله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت ) .

فهو يخاصم لله وبالله ، ينتقم لله عز وجل ، ويغضب من الناس لو أنهم قصروا في حق الله عز وجل، أما في حق نفسه فلا يُخاصم ولا يُعاتب ولا يُماري ولا يُجادل إلا بالتي هي أحسن.

فمثلا: بعض الناس يكون لها رأي في مسألة معينه فيأخذ الرأي المُخالف حتى يُخالف من أمامه ويجادله حتى يريه أنه يعرف المجادلة، ومهما يعطيه الآخر من الحجج والأدلة يظل على المذهب المخالف ، و كل ذلك بسبب حب الجدل والمراء ، وليس هذا من الجدال بالتي هي أحسن، والله عز وجل يقول: (ولا تُجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) فعندما تجد المناقشة قد دخلت في جدال ليس بالتي هي أحسن، و ليس الوصول إلى الحق هو الغاية المقصودة، اترك الجدال ولا تستقصي حقك وتمثل قول علي رضي الله عنه: " ما استقصى كريم حقه قط " .

فالكريم لا يستقصي حقه، بل دائما ما يكون متسامحا، سمح إذا باع سمح إذا اشترى سمح إذا اقتضى ، وعندما يأخذ حقه يتنازل عن شيء منه ولا يستقصي حقه كاملا، ويغض الطرف عن عيوب من أساء إليه فضلا عمن سواه إلا لحق الله تعالى ، فلا يشعر من أساء إليه بإسأته، ومن أحسن ذلك فعل يوسف عليه السلام لما ذكر أمر ما وقع من إخوته - بعد وعده لهم أنه لا تثريب عليهم - قال: (وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) ، ولم يقل: من بعد أن فعل إخوتي ما فعلو ا من بيعهم لي أو حرماني من أبي أو حرمانه مني، وإنما نسب الفعل إلى الشيطان ، بل وبدأ بنفسه فقال: بيني وبين إخوتي حتى لا يكون هناك تلميح ولو من بعيد بأن الشيطان أتى من ناحيتهم.

فالمسلم يتغافل عن عثرات الأهل والأصحاب والناس مع إشعارهم بأنه لا يعلم لهم عثرة ، و مثال ذلك أن الأصم كان قاضيا حكيما فأتت إليه امرأة كانت عندها مشكلة ، وعندما كانت تشكي له خرج منها صوت، فاستحيى ثم قال لها: أعيدي عليَّ المسألة فأنا لم أسمع ، فاستراحت وشعرت أنه لم يسمع الصوت الذي صدر منها.

فلابد على الإنسان أن يتغاضى عن العثرات كلما وجد من أهله خطأ ما ، فيستر الأشياء التي تتكرر رغم أنها عثرات ، و يوقر الكبير ويرحم الصغير و يعامل الناس بأفضل ما يحب أن يعاملوه به، ويحسن عشرة كل من عاشره من أم وأب وبنت وأبن وأخت وأخ وقريب وجار وامرأة وصاحب ومملوك وغيرهم ، فالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

و هناك فائدة لطيفة جدا في السؤال لأحسن الأخلاق فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: واهدني لحسن الأخلاق وإنما قال لأحسنها، وفي صرف السيئ لم يقل: واصرف عني أسوأها وإنما سيئها. فطلب صرف السيئ الذي يشمل صرف الأسوأ، وأما في الحسن فلم يطلبه فقط وإنما طلب الأحسن فاستعمل أفعل التفضيل في طلب الأحسن واستعمل الاسم المُجرد في صرف السيئ.

و نلحظ هنا مدى الارتباط بين حقائق التوحيد والإيمان وبين مبادئ الأخلاق والسلوك ، فالدعاء بدأ بتقرير التوحيد والثناء على الله عز وجل بملكه وإلُهيته وربوبيته (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك) ، ثم باعتراف العبد بالعبودية ، وهذا أفضل عمل يتوسل به مع اعترافه بذنبه (ظلمت نفسي واعترفت بذنبي) ثم يدعو بمغفرة الذنوب والهداية لأحسن الأخلاق وصرف سيئها.

ولو واظب كلٌ منا على هذا الدعاء يوميا مع استحضار معانيه في قلبه وافتقر إلى الله الافتقار التام كما يتضمنه هذا الدعاء لحلت مشكلة من أكبر مشاكل الالتزام الحقيقي ، وهي مشكلة تخلف الأخلاق والسلوك عن الالتزام الظاهري في الهيئة، أو الاكتفاء بمجرد إعلان الالتزام دون أن يتحول هذا الإعلان إلى تفاصيل يعيش بها المرء في حياته بدلا من الأخلاق التي كان يعيش بها في جاهليته.

الصفحة السابقة الصفحة التالية