7- واهدني لأحسن الأخلاق
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ه لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ،
قول النبي صلى الله عليه وسلم : ) وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك ) .
نواصل الكلام عن قوله صلى الله عليه وسلم (واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي ل أحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) .
الأخلاق منها وهبي جبلي، يفطر عليه الإنسان حسب ما كان قبيحا أو حسنا، ومنها ما هو كسبي عملي يسعى الإنسان إليه بجهده ويتخلق به، وكلا النوعين بيد الله ، وهما من عطائه ورزقه ، ورزق الإنسان في الأخلاق أهم وأخطر بكثير من رزقه في الجاه الدنيوي، والنوع الأول الجبلي قابل للتأثير عليه والتغيير وإن كان الأثر فيما يخالف ما جُبل عليه الإنسان ليس كقوته فيما يوافق، فالإنسان المجبول على الكرم ستجد النفقة عليه سهلة جدا، أما المجبول على البخل ، هل له أن يتغير؟ نعم ، من الممكن أن يتغير وإن كان لن يصبح كالذي جُبل على الكرم لكن سيتغير، وإن العبد لن يجد وسيلة لتحسين خلقه أعظم ولا أهم ولا أكبر أثرا - بل في الحقيقة لا وسيلة غيرها - اللهم إلا اللجوء إلى الله، فتغيير الأخلاق أصعب شيء على الإنسان، وهنا يأتي الا رتباط بين الجزء الأول من الدعاء الذي كله عن قضية التوحيد والإيمان، وبين قضية الخُلق، لأن الخُلق هو جزء من الإيمان في الحقيقة.
ولهذا كان هذا الدعاء العظيم (واهدني لأحسن الأخلاق...) و دعائه صلى الله عليه وسلم (اللهم آت نفسي تقواها وزكها أن ت خير من زكاها أنت وليها ومولاها) ، ف تزكية العبد لنفسه لن تثمر ثمرتها إلا أن يُزكيه الله، والعبد مأمور أن يتزكى (قد أفلح من تزكى) ، فتزكيته عز وجل خير تزكية، و تزكي ة المرء لنفس ه ليس لها قيمة إذا لم يزكها الله عز وجل.
فصل مختصر في أحسن الأخلاق : أحسن الأخلاق هي أخلاق الرسل وهي صفات الرجولة (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) فلم يقل " إلا ذكورا " بل قال رجالا، فالرجولة صفات، فنذكر بها أنفسنا باختصار.
بني هذا الأمر على الصدق مع الله والناس، وترك الكذب بالكلية والصبر واحتمال الأذى من الخلق ، وعندما ننظر إلى صدق الأنبياء ، نجد صدقا مع الله و مع الناس وفي العمل وهذا شيء أساسي، فمن المستحيل أن يُعرف عن نبي أنه كذب أبدا.
و أما صفة الصبر واحتمال الأذى، فتأمل صبر يوسف عليه السلام واحتمال الأذى الذي تعرض إليه من إخوته ، الذين باعوه وفرقوا بينه وبين أبيه وهو يحتاج إلى أبيه أشد الحاجة، وهو كريم بن كريم بن كريم بن كريم ، وفعلوا كل هذا فيه وظلوا حاقدين عليه إلى أن كبروا وكبر هو، ومع ذلك سامحهم سيدنا يوسف ، فسبحان الله! ، أرأيت إلى أي مدى يصل احتمال الأذى، فلنصبر ولنحتمل الأذى من الناس ن ولنحلم عليهم ، ولعلنا نتأمل ونأخذ القدوة من حلم يعقوب عليه السلام على أبنائه حين حرموه من ابنه قرة عينه .
إن من أحسن الأخلاق احتمال الأذى من الخلق وكظم الغيظ وكف الأذى عن الناس باللسان واليد والقلب وعدم الانتقام للنفس ، إلا أن تنتهك حرمات الله عز وجل، فينتقم العبد لله عز وجل لا لنفسه.
ومن مكارم الأخلاق الأناة والتمهل والعفة عن المحارم وعما في أيدي الناس، ف يتعفف العبد ب أن يبتعد عما حرم الله ويبتعد عما في أيدي الناس وعن سؤالهم.
ومنها اجتناب القبائح والفواحش وهي الكلمات الظاهرة الفاحشة خاصة بما يتعلق بالعورات، فالإنسان الخلوق هو الذي يتجنب الفواحش في القول والعمل وفي الأموال والأعراض، كما قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه في طوافه "اللهم قِني شُح نفسي" ويقول "إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزني "، لأن كل ذلك من عدم العفة.
ومنها الحياء والكرم والجود والسخاء، و الحياء أن يستحي من الله ومن الناس فهذا من حسن الخلق ، وترك البخل والغيبة والنميمة وخيانة الأعين وهي تطلعها إلى ما لا يحل خلسة.
ومنها الشجاعة وعزة النفس، والبذل في الحق والقوة فيه، والتضحية، والاستعداد لبذل المحبوب الغالي على النفس وإخراجه ومفارقته عند أمر الله بذلك.
ومنها الوفاء بالعقود والوعود والأمانات، للأهل والأصدقاء والأقرباء، والبر، والصلة والإحسان إلى الخلق، والعدل والتوسط في شيم النفس، فالجود وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور، والحياء وسط بين الوقاحة والعجز والمهانة والخور، والحلم وسط بين الغضب وذل النفس وسقوطها، والتواضع والعزة المحمودة وسط بين الكبر والهوان، والقناعة وسط بين الحرص والتنافس على الدنيا، والصبر وسط بين الجزع والهلع وبين القسوة والغلظة وتحجر الطبع والفظاظة، والرحمة وسط بين القسوة والضعف . فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
ومن الأخلاق الحسنة الإيثار بالدنيا ، كما وصف الله تعالى الأنصار: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) ، وهذا الإيثار بالدنيا من علامات غنى النفس بالله عز وجل ، وإنما يؤثر الإنسان على نفسه لأجل أن ما عنده من الله يكفيه، ويحصل غنى القلب وغني النفس بالله سبحانه وتعالى والعبودية له، و كلما اكتملت العُبودية كلما اكتمل الغنى بالله عز وجل فلم يشعر الإنسان بالحاجة إلى الدنيا فعند ذلك يجود بها بل ويُؤثر بها ، قال الله تعالى: ( و يُطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) .
