شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

8- لبيك وسعديك

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ؛

قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ، وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لا إِلَهَ إِلا َّ أَنْتَ أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ، ظَلَمْتُ نَفْسِي ، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا ، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا َّ أَنْتَ ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلا َّ أَنْتَ ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا َّ أَنْتَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ) (رواه مسلم) .

في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ )، هذه التلبية من غير محرم ولا تختص بحال ، فيمكن أن يقولوها الحلال ، ولا تختص بزمن ، فكل يوم يمكن أن تقول هذه التلبية ليس فقط في زمن الحج أو أشهر الحج ، ولا تختص بمكان كقرب الميقات أو عندما تكون في المواقيت ، ولذلك كان الصحيح أن التلبية ذكر مشروع يمكن أن يقال من الحلال - بمعنى : غير المحرم -، قال الإمام أحمد : " لا بأس بأن يلبي غير المحرم ".

وهذه التلبية كنز عظيم يفجر في القلب ينابيع الحب والشوق إلى الله - سبحانه -، ويوقظ حاجة الإنسان إلى الشعور بأن الله - سبحانه وتعالى - يناديه و يريده هو ، فإن الإنسان الصغير الضعيف الفقير المحتاج الذي لا يشغل من الزمان ولا من المكان ش ي ئ ً ا يذكر ، بل وجوده كالهباء المنثور ، فعمره يمتد 60 أو 70 سنة وما قبل ذلك ملايين السنين وما بعد ذلك من الخلود ما لا نهاية له، ولو أراد أن يعرف حجمه في المكان؛ فليخرج إلي البحر ؛ ليعرف حجم الإنسان في الأرض ، وإذا اتسع نظره أكثر ؛ فليعرف حجم الأرض نفسها بالنسبة لما حولها من الأجرام السماوية الأخرى في المجموعة الشمسية ، كم تبلغ الأرض ؟، كم تبلغ المجموعة الشمسية في المجرة ؟ وكم تبلغ المجرة بالنسبة لملايين المجرات ؟ هذه المجرات كلها هي السماء الدنيا ، فما بالك بالسماوات الأعلى ؟! فما بالك بالكرسي الذي وسع السماوات والأرض ؟! ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ) (البقرة:255) ، فما بالك بالعرش الذي الكرسي بالنسبة له كحلقة في فلا ة؟

فإذا استشعر الإنسان أن الله - سبحانه - الخالق العلي الكبير العظيم الغني الأول الآخر الظاهر الباطن القوي العزيز يريده ويناديه على ألسنة رسله وفي كتبه المنزلة ، فأنت تقول : لبيك أي: أنا أجيبك يا رب ، فالله - عز وجل - يريد الإنسان لعبادته ومحبته ، واصطفاه من بين خلقه لنوع خاص من العبودية ، و أوجده في وسط المخالفات ؛ ليعرفه ويعبده ، حينما نتدبر في ما حولنا من أنواع كثيرة من العبودية كعبودية السماوات والأرض - مثلا ً- فهي تعبد الله طائعة منقادة و لم تكلف ( قَ ا لَ ت ا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) قال - عز وجل -: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَا لأ َرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ ) ( الأحزاب : 72 ) ، فهذه الكائنات مسخرة تعبد الله - عز وجل -: ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ) (الإسراء:44) ، فالكون هائل وواسع في السماوات والأرض ، كلها تسبح الله وتعبده بدون أن تعترض ولو ذرة منها ، ثم عبودية الملائكة عبودية بإرادة منها لا تتوجه إلا إلى الخير ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

لكن الإنسان وكذا المؤمن من الجن ط ـُ لبت منهم عبودية خاصة ، عبودية في وسط مخالفات، فهو موجود في بيئة بها شهوات ورغبات محرمة و نوازع داخلية تنازعه ، فمخالفات شياطين الإنس والجن بأعمالهم ومكرهم وكيدهم تريد أن تصد الإنسان عن طاعة الله ، وهو - سبحانه - اجتبى الإنسان وخصه بأعلى أنواع التكريم ، وأمره ونهاه ودعاه إليه في دار السلام وهداه الصراط المستقيم ، فأنت أيها المؤمن كنت مراد ً ا حتى تكون مريد ً ا مُخلِـصًا، كنت مـُراد ً ا من الله ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) ( طه : 41 ) ، كما قال لموسى - عليه السلام -، وكل المؤمنين اصطنعهم الله - عز وجل - لنفسه بدرجات مختلفة .

فالله أخلصك لعبادته حتى تخلـًُص له عبادتك ، فأُخلصت من عند الله فأَخلصت لله، كنت قبل وجودك من أهل قبضة اليمين وعرفك الشيطان فاستثناك من الإغواء حين قال : ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) ( ص : 83 ) ، أنت من المُخلَصين حتى تكون من المُخلِصين .

ربك يناديك فما أجمل وما أعظم وما أحلى أن تقول : لبيك ربي ، أنا ذاهب إليك ، مجيب لأمرك بقلبي وبدني ، وقد قال إبراهيم - عليه السلام -: ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) ( الصافات : 99 ) .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ) (رواه البخاري) ، فهي هجرة بالقلب وسفر إلى الله - عز وجل -، فهي - إذن - ليست - فقط - هجرة بالبدن ، بل بالقلب أولا ً، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( عُبَادَةٌ فِي الْهَرْجِ ) - أي: الفتن- ( كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ) توضيح لهذا المعنى ، فلماذا كانت العبادة في الفتن تماثل ثواب الهجرة إليه - صلى الله عليه وسلم -؟ لأنها هجرة بالقلب إلى سنته وطريقته في عبادة الله ، فهل نلج وندخل باب هذا الفضل العظيم ؟

فاتتنا الهجرة بالبدن إلى النبي - عليه الصلاة والسلام -، لكن يمكن أن نلحق بركب المهاجرين ، تخيل أن تكون ضمن المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ت نال ثواب المهاجرين الذين سبقوا الأنصار ، نحن نضيق بالفتن مع أن الفرصة فيها عظيمة ، فهل نغتنمها ؟.

الصفحة التالية