8- لبيك وسعديك
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ) ليست الإجابة لله - سبحانه وتعالى - مرة واحدة فحسب ثم تنقطع ، بل هي إجابة بعد إجابة ، وإقامة بعد إقامة ، وهناك تفسير ا ن في معنى التلبية "لبيك" ، فالأول بمعنى : إجابة مرة بعد مرة ، وهذا هو المشهور ، والمعنى الثاني : من لبى بالمكان يعني : أقام ، وكلا المعنيين صحيح ، فهي إجابة بعد إجابة ، فهي مستمرة ، وإقامة بعد إقامة على طاعته ، ومساعدة بعد مساعدة لأمره ، والمقصود بالمساعدة في ( سَعْدَيْكَ ) أ ي : أنا مساعد في أمرك ، أي : أكون في أمرك ، و الكون كله في أمر الله وخدمته، وهي ليست بمعنى المعاونة لله - تعالى الله -، أ و أنه يحتاج إلى معين -حاشا لله-، لكن ( سَعْدَيْكَ ) تعني: أنا في إسعاد أمرك ، و الإسعاد معناه : أن يكون في الخدمة والطاعة ، وإن كان لفظ الخدمة - أن يـُخدم الله -ُ لم يرد في الكتاب والسنة ، فنختار عنه لفظ العبادة والطاعة والانقياد لأمره - سبحانه - مرة بعد مرة .
أي أن المؤمن قد أعلن الإجابة وواظب عليها وأقر بالطاعة وامتثال الأمر وواظب على ذلك ، قال : آمنت بالله ثم استقام كما أخبر - سبحانه - عن عباده المؤمنين : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) ( فصلت : 30 ) ، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
إن القضية قضية الالتزام المستمر ، وليست إعلان مبدأ ثم يظل الإنسان بعيد ً ا عنه ، بل لا بد أن يظل مواظب ً ا ، والاستمرار في الطاعة أشق على أكثر النفوس من البداية ، فالسير على طريق الله طول الحياة هو صفة أهل الإيمان ، و هذه التلبية يحتاج إليها المؤمن دائم ً ا ، ولذا ؛ شرعت في هذا الدعاء كما شرعت في الحج والعمرة ، وهذا الحديث دليل على مشروعية ذلك ، وهي من الأذكار العظيمة التي تعرف العبد حقيقة السلعة التي معه .
أنت، ما سلعتك ؟ ، سلعتك هي نفسك ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) (التوبة:111) ، عند ما تستشعر أن الله أرادك ويناديك ، وأنت تقول له : أنا أجيبك يا رب ؛ تعرف حقيقة السلعة التي معك ، فلتضنَّ بها ولتبخل أن تبيعها لغير الله بالثمن البخس .
إن شعور العبد بأن الله أراده يجعله يكاد يذوب حب ًّ ا وشوق ً ا لله - سبحانه - وانقياد ً ا وذلا ً، يجعله مجيب ً ا على الفاقة ، أي : مجيب ً ا لأمره - سبحانه - مستشعر ً ا شدة فقره وفاقته إلى هذه الإجابة ، وليس معنى ذلك أنه يجيب رغم ً ا عنه فيرغم نفسه على أن يجيب و نفسه لا تطاوعه ، بل هو يشعر أن نفسه هي التي تطلب الذهاب، إنها -إجابة الله- كطعامه وشرابه ونفسه، بل أشد من ذلك ، كما أنك تأخذ نفس الهواء ، لماذا تأخذه ؟ لأنك محتاج للهواء ، لأنك إن لم تتنفس؛ تمت، لا تستطيع أن تتحمل ، و لماذا نسرع مهرولين إلى الطعام وقت الإفطار؛ لأننا محتاجون للطعام ومحتاجون للشراب، كذلك ا لإنسان محتاج للقرب من الله ، محتاج لأن يجيب أمر الله - عز وجل -، ولذلك ؛ فإن أهل الجنة يتمتعون بالتسبيح ، ( يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ ) (رواه مسلم) .
ونذكر كلمة بعض التابعين يقول : " اللهم إن كنت تأذن لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي أن أصلي في قبري "، فهو يدعو الله أن يصلي في قبره ، والصحيح أن هناك صلاة في القبور فالرسول - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه رأى موسى يصلي في قبره ، والصحيح أنها نوع من النعيم الذي يكون في القبر من نعيم القبر ، وهي ليست على سبيل التكليف ، وإنما على سبيل التنعم ، و ما يقوله البعض أ نه خاص بموسى فالصحيح أنه ليس خاص ًّ ا ، فإن الحديث الصحيح عند ا بن حبان في صفة سؤال القبر أن المؤمن تمثل له الشمس قد أوشكت على الغروب ، فيأتيه الملكان فيقعدانه ويسألانه ، ( فَ يَقُولُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَيَقُولُونَ: إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، أَخْبَرَنِي عَمَّا نَسْأَلُكُ عَنْهُ، أَرَأَيْتَكَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ مَا تَقُولُ فِيهِ، وَمَاذَا تَشَهَّدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: عَلَى ذَلِكَ حَيِيتَ وَعَلَى ذَلِكَ مِتَّ، وَعَلَى ذَلِكَ تُبْعَثُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ) (رواه ابن حبان، وحسنه الألباني) ، فالملائكة وعدته بأنه سيفعل ، فهذا دليل على أن هناك من يصلي في قبره .
ففرق كبير بين إجابة تجر فيها نفسك خلفك، ولا تطاوعك نفسك للإجابة، وبين إجابة على الفاقة -على الحاجة إليها- .
ما معنى أن تستشعر أنك محتاج للإجابة ؟، هو أن تستشعر أن ربنا يريدك أنت -وأنت وحدك- من وسط كل هذه الدنيا ، وتستشعر أنك صغير جد ًّ ا والخالق العلي الكبير يريدك أنت ويجعلك مخلـَصا له ، فأي شرف للإنسان ؟، هذا يجعله يسارع بهذه الإجابة محقق ً ا ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) بالإجابة ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) بالفقر والفاقة إلى الله - عز وجل -، يستشعر ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) بأن يجيب أمر الله ، و أ نه في أثناء هذه الإجابة مستعين بالله محتاج إلى أن يعبد الله ويسأل الله أن يعيننه على ذلك .
( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) بالفاقة والفقر إلى الله إله ً ا معبود ً ا في المقام الأول، أ ي : لا تستعين به على قضاء حوائجك ، و على دفع عدوك و على إزالة الضرر و على جلب المنافع فقط ، فالخلق كلهم مفتقر و ن إلى الله رب ًّ ا خالق ً ا رازق ً ا ، فهم يريدون أن يأكلوا ويشربوا ويكون عندهم أولاد وأموال، هم يريدون كل هذه الأشياء ، و المؤمن معهم في هذا ، والله الذي بيده الأمر كله ، لكن المؤمن يستعين به - في المقام الأول - على عبادته ، يستعين به ليكون إلهه و معبود ه، يحتاج لأن يركع له ، يحتاج لأن يسجد له ، يحتاج لأن يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه ، فأي منة أجل من هذا ، وهل نستحق كل هذا العطاء أنما هو محض الجود والكرم .
