10-أنس الطائعين ووحشة الغاوين..تتمة
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ه لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ،
قول النبي صلى الله عليه وسلم : ) وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك ) .
في قوله عليه الصلاة والسلام (لبيك وسعديك) قلنا أن هذه التلبية فيها إجابة لأمر الله عز وجل، فيستشعر العبد أن الله عز وجل قد ناداه وأراده وأخلصه له، فهو يجيب ربه إجابة بعد إجابة وهو مقيم على طاعته مستمر في عبادته والخضوع له، وشرعنا في ذكر الأبيات الجميلة للإمام ابن القيم، قال:
فما كل عين بالحبيب قريرة
ولا كل من نودي يجيب المناديا
ومن لم يجب داعي هداك فخلـِّه
يجب كل من أضحى إلى الغي داعيا
وقل للعيون الرُمَّدِ إياكِ أن ترِي
سنا الشمسِ فاستغشِ ظلام اللياليا
وسامح نفوسا لم يهبها لحبهم
ودعها وما اختارت ولا تك جافيا
وقل للذي قد غاب يكفي عقوبة
مغيبك عن ذا الشأن لو كنت واعيا
ووالله لو أضحى نصيبك وافرا
رحمت عدوا حاسدا لك قاليا
ثم يقول ابن القيم:
ألم تر آثار القطيعة قد بدت
على حاله فارحمه إن كنت راثيا
ألا ترى آثار المعاصي والذنوب والكفر والنفاق ، والانقطاع عن الله و عن أمره وعن العمل بشرعه ، ألا تراها ظاهرة على وجوه الكفرة والظلمة والفسقة وعلى أحوالهم كلها ، ألا ترى كيف يقضون أوقاتهم في النكد والعذاب، لا يجدون راحة إلا بغياب عقولهم بالسكر بالخمر والمخدرات ، و السكر بالشهوات حتى ينسوا ما هم فيه من البلاء . إن هذه القطيعة التي بينهم وبين الله عز وجل يظهر لها أثر يراه كل مؤمن في وجوههم، فإن للمعصية ظلمة في الوجه وضيقا في الرزق وبغضا في قلوب الخلق ، فالمؤمن يرى آثار الظلمة كما أنه يرى آثار النور كما قال الله عز وجل ( سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ) فالطاعات لها آثار في الوجوه والأحوال .
لذلك تجد عامة شعوب الأرض لا تستغني عن الخمر ، ووقع في روسيا منذ فترة أن الحكومة لم تجد ما يكفى المرتبات للموظفين، فعرضت أن يأخذوا بقيمتها عبوات من المناديل الورقية، فتظاهر الناس رافضين، فأعطتهم بقيمتها الفودكا وهى الخمر الروسية، وهذه هي التي أسكتت الناس لأنها لازمة لهم في الحانات وعلى موائدهم ، والعياذ بالله . و في المشارق والمغارب تجد المخدرات منتشرة في البيئات المليئة بالمنكر والفساد ، فلو كانت حياة الفرد عندهم سعيدة فلماذا يريد أن يغيب عقله ؟، لماذا يريد ألا يشعر بما هو فيه ؟، لا رد، إلا أنه يريد الهروب من واقعه إلى الخيال بالخمر والمخدرات، أو أن يشاهد التلفزيون والأفلام وأوهامها الخيالية، والعياذ بالله ، كل هذا من آثار القطيعة ، ولو أنه أتصل بأمر الله لكان بينه وبين الله عز وجل صلة كصلاة وزكاة وصوم ، و لما شعر بهذا الألم، فهؤلاء جديرون بالشفقة والرثاء.
ثم يقول ابن القيم:
خفافيش أعشاها النهار بضوئه
ولائمها قطع من الليل بادية
هؤلاء الظلمة وأهل البدع والضلال مثل الخفافيش التي يعميها ضوء النهار ، فالخفاش عندما يظهر النور لا يتحمل و لابد أن يعيش في الظلام ، فهم أعما هم ضوء النهار أي نور الوحي المنزل، إذا ظهر تألموا ، فعندما وجدوا البشر قد ساروا على طريق العبودية تألموا ومكروا ليبعدوا الناس عن دين الله عز وجل ، هؤلاء - والله - منهم العلمانيون المنافقون الذين يكادون يموتون كمدا حين يرون ظهور الإسلام وعودة الناس إليه ، و منهم اليهود والنصارى والمشركون وأذنابهم من أعداء الدين ، فلا يلائمهم ولا يناسبهم إلا فترات الظلام فترات غياب ظهور الشريعة عن الأرض ، وهيهات لهم فلا يزال الله يظهر الحق ويعلي الدين ( أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) الأنبياء44 .
ثم يقول ابن القيم:
فجالت وصالت فيه حتى إذا
النهار بدا استخفت وأعطت تواليا
هؤلاء المجرمون يجولون ويصولون ويمرحون بباطلهم في فترات انتصار الباطل المؤقت ، والذي قد ّ ره الله وليس من صنعهم هم، هم يعتقدون أنهم انتصروا لكن الحقيقة أن ربنا قد ّ ر فترات الظلمة فكما أن هناك ليل ونهار ، فهناك فترات ينتصر الباطل وينتشر ويأتي النهار بعد ذلك ، و قد ّ ر الله وجود الظلام و فترة انتصار الباطل امتحانا لعباده المؤمنين ليعبدوه في فترة الإحراق قبل أن تأتي مدة الإشراق ، فكما أن الليل والنهار من خلق الله فالاستضعاف والتمكين ومداولة الأيام بين الناس هي من أفعاله سبحانه ، وإنما يصول أهل الكفر والظلم في الظلام ويظنون أنهم هم الذين صنعوا الظلام ومنعوا ظهور الإسلام وليس ذلك – والله- في قدرتهم (يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوكَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة32 ، (هُو الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) التوبة33 ، فسوف يطلع النهار وسوف يشرق النور ، نور الدين الحق ولوكره الكافرون ، وعند ذلك ستختفي الخفافيش وتتوارى.وإنما قد ّ ر الله ذلك ليعلم من يجيبه في فترة الإظلام ويسير إليه سبحانه رغم الظلمة ، وإلا فعند ظهور نور الشمس يستيقظ كل الناس ، ولكن من الذي سبق ؟، الذي سار بالدجى و ا لتزم بطاعة الله في فترة الظلمة ( من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل )
ثم يقول ابن القيم:
فيا محنة الحسناء تهدى إلى امرئ
ضرير عنين من الوجد خاليا
إذا ظلمة الليل انجلت بضيائها
يعود لعينيه ظلاما كما هي
