شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

11- الخير كله في يديك والشر ليس إليك

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ه لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ،

قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك ) .

في قول النبي صلى الله عليه وسلم (الخير كله في يديك والشر ليس إليك) بعد (لبيك وسعديك) يستشعر المؤمن معاني عظيمة وهي أن إجابة العبد لربه وكونه في طاعته وخدمته تقرب العبد من ربه، وهو سبحانه وتعالى يتقرب إلى العبد أضعاف ما يتقرب العبد إليه، كما في الحديث القدسي (ومن تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) فيحصل من هذا القرب المتزايد أن يحضر القلب بين يدي ربه، ففي (الخير كله في يدك) تناسب وارتباط رائع وعظيم وواضح مع (لبيك وسعديك) ، عندما أجاب المرء اقترب؛ فتقرب الله إليه أكثر فقربه إليه أكثر، وهكذا حتى يحضر القلب بين يدي ربه، ويخرج من ضيق الدنيا ويشهد ملكوت السماء والأرض وملك الله عز وجل ويحضر قريبا من الله، هذا قرب حقيقي للروح، كما قال ربنا سبحانه وتعالى (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق : 19) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) ، و كل طاعة تسمى قربة كما قال عز وجل ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ) (المائدة : 35) فالقربة كل ما يقرب إلى الله ، فيقترب العبد إلى أن

يشهد الرب سبحانه وتعالى يدبر الأمر كما يريد، فيحضر القلب بين يدي ربه،

يشهد من صفات الكمال والجلال والعظمة ما لم يكن ليشهده ويستحضره قبل كذلك،

يشهد حكمة الله حين يدبر،

يشهد قهره للعباد،

يشهد أنه الأول والآخر يجمع بين الأزل والأبد،فيشعر بمدى صغر نفسه وصغر العالم حوله،

يشهد أنه هو الظاهر والباطن فيشهد أيضاً صغر المكان الذي هو فيه فالله محيط بخلقه،

يشهد أن الله عز وجل يفعل في خلقه ما يُحمد عليه عز وجل دائماً، فكل أفعاله خير وكل أسمائه وصفاته خير،

ما الذي أشهده ذلك؟، ما الذي أخرجه من ضيق الصراعات الدنيوية والشهوات الحقيرة والتنافسات والمشاكل والنكد اليومي الذي يعيش الناس فيه؟، الذي أخرجه من ذلك هو إعلانه (لبيك وسعديك) حتى اقترب من الله عز وجل فشهد عظمة جلاله وصفات كماله سبحانه وبحمده، ولا يزال العبد في مزيد من هذا الشهود المستلزم للحب العظيم طالما كان في مزيد من الإجابة والإسعاد بأمر الله سبحانه، ولا نهاية لهذا الأمر ولا في الآخرة.

هاهم أهل الجنة لا يزالون يقتربون من الله أكثر، ويشهدون عظمته أكثر ويزدادون له حباً وتعظيماً، ويزدادون بذلك سعادة، ولذلك لدي ربهم عز وجل مزيد لا ينقطع، ولا قدرة للعقل البشري على أن يحيط بكيفية ذلك، لكن أهل الجنة نعيمهم دائماً في مزيد، والمزيد أساسه النظر إلى وجه الله عز وجل والمعرفة به، إنهم إذا رأوا ربهم عز وجل عرفوا من كماله وجماله وجلاله ما لم يحيطوا به قبل ذلك، رأوه سبحانه وتعالى فيكون ذلك أعظم سعادة، كما أن المعرفة بكمال الرب سبحانه وتعالى في الدنيا هي أكمل سعادة في الدنيا وشهود الأسماء والصفات واستحضار معانيها وتعظيم الرب سبحانه وتعالى أعظم نعيم ممكن أن يناله الإنسان في الدنيا، فكذلك في الآخرة لا يزال في تقرب والله يقترب منه أكثر بلا نهاية.

(والخير كله في يديك) كان العبد قبل التلبية بعيداً فلم يكن يشهد أنواع الكمال والجمال والعظمة و الخير الذي في يديه سبحانه ، فإذا شهد ذلك قال: (والخير كله في يديك) ، ليس في أفعال الله ولا في أسمائه وصفاته شر قط، ولا ذرة ولا أدنى من ذرة، وأما في مخلوقاته فليس فيها شر محض، فقد يخلق الله شراً، ولكن ليس شراً من كل جهة، بل ما خلقه الله من الشر يجعل فيه خيراً من وجه آخر، ربما لهذا المخلوق الذي اتصف بالشر أو قام به أو فعله إذا تاب ورجع وأناب إلى الله، كما تكلمنا عن حكمة الله عز وجل في تقدير الذنب على العبد وفرحه بتوبة عبده حين يتوب إليه وتنقلب هذه الذنوب حسنات لأنها سبب للتوبة التي قربته إلى الله سبحانه وتعالى.

ويمكن ألا يتوب هذا المخلوق ويظل على ذلك إلى أن يموت، فأين الخير؟ يجعل الله الخير لغيره من المخلوقين، الذين يحصل لهم من أنواع الخيرات - بسبب هذا الشر النسبي الذي وقع منه - ما لا يحصيه إلا الله، وذلك بمجاهدته ومخالفته وكراهيته فيأخذون ثواباً على ذلك، يجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصبرون على ما يلقونه، ويلجئون إلى الله ويتحصنون به ويشهدون فضله عليهم ومنته التي لم يوفق غيرهم لها، ويقولون الحمد لله أن عافانا من هذا الشر، كما قال الله تعالى عن المؤمن أنه يقول لقرينه (قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ) (الصافات : 56 , 57) فما الذي جعله يشهد نعمة ربه أكثر؟، أنه رآه في سواء الجحيم، فيعرف نعمة ربه. وغير ذلك كثير من أنواع العبودية والخيرات التي لا يحصيها إلا الله سبحانه والتي تترتب على تقدير وقوع الشر..

الصفحة التالية