شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

11- الخير كله في يديك والشر ليس إليك

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

فكل ما يفعله الله يستحق عليه الحمد، ويوم القيامة كل الناس تشهد بذلك حتى الكفرة الذين دخلوا النار كما قال سبحانه وتعالى (وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الزمر : 75)، قال الحسن:"إن أهل النار دخلوا النار، وإن حمد الله لفي قلوبهم لا يملكون غير ذلك"، فرغم ألمهم وعذابهم وشقائهم لا يملكون أن ينسبوا إلى الله النقص أو الظلم فيزعمون أن هذا العذاب في غير موضعه، فما وقع يستحقونه بمقتضى العدل والحكمة، فلا يملكون إلا أن يقروا أنه الحميد سبحانه.

والمؤمن مع هذه الجملة العظيمة (والخير كله في يديك) ينظر فيما يفعله الله به وبغيره، ويشهد فضله عليه في المنحة والمحنة والعطاء والمنع، وعندما يمنعه يحمده ويشهد خيراً في هذا المنع، وعندما يمتحنه في محنة يشهد فيها من أنواع الفضل العظيم ما يحمد الله عليه، وربما تكون هذه المحنة بالنسبة له أكثر نعيما من فترات المنح والعطايا الدنيوية، وعندما يعطيه من الدنيا وعندما يرفع عنه المحنة يشهد الخير في ذلك، قال صلى الله عليه وسلم (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) فالله سبحانه يجعل في ما يصيب المؤمن من الآلام والمشاق من أنواع اللذات والنعم ما لا يحصل له إلا بالألم (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيرا) النساء19 ، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة216.

فإذا شهد المؤمن ذلك رضي بالله ربا مدبرا معينا وكيلا، يفوض إليه أمره كله، ويرضى عنه في كل ما يفعله من حيث فعله هو سبحانه، وإن كان لا يرضى بما لا يرضى به سبحانه من المخلوقات، فهناك نظرتان، نظرة المؤمن إلى أن ربنا هو الذي يفعل فيرضى عن فعل الله، ونظرة أخرى إلى المخلوق الشرير فلا يرضى به، لأن الله الذي خلقه لم يرض عنه، فربنا يكره الشر وإن كان خلْق الله للشر ليس بِشر، فخلق الله للشر وراءه من الحكم والمصالح والنفع والخير للمؤمن ما يجعله يقول ( الخير كله في يديك، والشر ليس إليك) فالمؤمن تابع لأمر ربه الشرعي في محبته وكراهته ورضاه وسخطه، يرضيه ما يرضي ربه ويسخطه ما يسخطه، ويحب ما يحبه ويكره ما يكرهه، أما عن فعل ربه عز وجل وأسمائه وصفاته فهو دائما شاهد فيها الخير والكمال والفضل، راض به على الدوام.

إن هذه المسألة من أسباب السعادة المعجلة في الدنيا قبل الفوز الأبدي بها في جواره سبحانه وتعالى، والرضا عن الله الذي يؤدي إلى أن يرضى الله عنه (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هذا الرضا راحة،ولا يوجد راحة في الدنيا إلا بالرضا، نسأله سبحانه أن يرزقنا رضاه وحبه والرضا به وعنه عز وجل.

وقوله صلى الله عليه وسلم (والشر ليس إليك) أي لا ينسب إلى الله عز وجل وصفا فليس من صفاته الشر، ولا ينسب له فعلا ولا اسما، كما لا يتقرب به إليه، ولا يلزم من ذلك أن يكون الشر خارجا عن مخلوقاته، بل هو من خلقه بلا شك قال تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر49، وقال تعالى (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) الزمر62، يشمل ذلك الخير والشر، وقال إبراهيم عليه السلام (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) الصافات96، ولكن خلقه سبحانه للشر ليس بشر، فهناك فرق بين الخلق الذي هو فعله والمخلوق، فالعباد فاعلون حقيقة لأفعالهم، خيرها وشرها، والله خالقهم وخالق أفعالهم وإرادتهم وقدرتهم، وهو الذي جعلها سببا لوقوع أفعالهم، وقدَّر ذلك، ومن هنا كان وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وشر القدر هو الشر المقدر، فربنا قدر وجود شر، وليس أن فعل الله شر، فعل الله خير وليس فيه شر، (والشر ليس إليك) فالشر الذي في القدر هو المقدر المخلوق، فالله قدر وجود الخير وقدر وجود الشر، فهذا معنى الإيمان بخير القدر وشره، فأما فعل الله عز وجل فكله خير لا شر فيه البتة والحمد لله رب العالمين.

فعندما يقول العبد (الخير كله في يديك والشر ليس إليك) يجد أحيانا من نفسه تعجباً لماذا يوجد هذا الشر ؟، ولماذا لا يريد أن ينتهي؟، وماذا سنفعل فيه؟، فعندما يستحضر أن الخير كله في يد الله، وأن الشر ليس إليه، وأن هذا الشر الذي وجد في النهاية من وراءه خير، يستريح رغم الألم الموجود، ويحصل له من العطية في الشر المقدر من عند الله عز وجل ما تقر به عينه إذا تقرب إلى الله عز وجل.

ولكن كيف يصل الإنسان لهذه المرتبة؟، (أنا بك وإليك) لن يصل بنفسه، بل بالله عز وجل، وكيف سيثبت؟، فالوصول شيء والثبات شيء آخر، فربما يصل ثم تأخذه الدنيا ثانية، نسأل الله العافية، فيقول (أنا بك وإليك) فيه تحقيق إياك نعبد وإياك نستعين، فقوله (أنا بك) معناه الافتقار التام إلى الله والاستعانة به، أنا بك يا رب أنت الذي خلقتني و أوجدتني، وحياتي وسمعي وبصري وقلبي بك يا رب، وكل قواي وإرادتي وبقائي ليس لي منه شيء، إنما كل ذلك بك يا رب، وعبادتي وذكري وتوجهي إليك، وركوعي وسجودي وصومي وصلاتي واهتدائي بك يا رب.

(وإليك) فيها معنيان، الأول: أنا مخلص إليك و الثاني: راجع إليك، ففي الأول تحقيق توحيد الألوهية، وفي الثاني تحقيق الإيمان باليوم الآخر، فالأول التوحيد والعبادة والثاني أنا معروض عليك، وأنا أتذكر الإيمان باليوم الآخر، قال تعالى (وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) البقرة281، وهذا من أعظم أسباب الإخلاص.

الصفحة السابقة الصفحة التالية