12- أنا بك وإليك
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد ه لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما بعد ،
قول النبي صلى الله عليه وسلم ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، استغفرك وأتوب إليك ) .
في قوله صلى الله عليه وسلم (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) فيه تحقيق الامتثال لأمر الله تعالى بالفرار إليه، قال عز وجل (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) الذاريات 50، وهو مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم أنى أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) ، كذلك فإن العبد إنما يفر من قدر الله إلى قدر الله، ويدافع قدر الله المكروه بقدر الله المحبوب وذلك بالاستعانة بالله وبتوفيق الله عز وجل.
فينبغي أن يستحضر الإنسان أنه في خطر، وهذا الخطر بقدر الله عز وجل ولن ينجو منه إلا بالفرار من الله عز وجل إليه، وهو عز وجل الذي يقدر له الخير وينجيه من القدر المكروه، كما قال عمر:"نفر من قدر الله إلى قدر الله", أي نفر من قدر الله المكروه إلى قدر الله المحبوب.
وإن من دخل النار دخلها بقدر وبالحق الذي كتبه الله عليه والشقاء الذي كتب عليه, ومن دخل الجنة دخلها بقدر، بقدر التوفيق من الله عز وجل وقدر الهداية حتى يدخل الجنة.
فأنت تفر من النار إلى الجنة، تفر من غضب الله عز وجل وعقابه إلى مرضاته وطاعته ولن يكون ذلك إلا بالله، فلا ملجأ يتحصن العبد به مما يقدره الله عليه من المكروه والسوء إلا إلى الله سبحانه، ولا نجاة للعبد مما يخافه ويحذره مما أصابه ووقع به إلا بالله، فالعبد يفر من الله - أي مما يخافه من عقوبته وسخطه ومعاصيه التي هي أسباب العقوبة - إلى الله أي بالاستقامة على أمره والعمل بطاعته والإخلاص له فإنه بذلك ينجو من سخط الله تعالى وعذابه.
وهو يعوذ بالله منه، يعوذ بالله عز وجل من أن يُقَِدر الله عليه مكروها، إذ كل شيء ملك يده وكل شيء بقضائه وقدره فلا يملك العباد لأنفسهم ضراً ولا نفعا ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً, فكيف يملكون ذلك لغيرهم ؟!
وهذا الدعاء يتضمن عدم رجاء الناس ولا خوفهم، فالخلق لا يملكون له ضراً ولا يجلبون له نفعاً, فعلام يرجوهم أو يخافهم؟!
فإن ما أصابك بقدر الله ما كان ليخطأك، وما أخطأك مما لم يقدره الله لك لم يكن ليصيبك، ولو اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله، عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.
وهذه الكلمة والتي قبلها (أنا بك وإليك) و (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) تجمعان بين الإيمان بالقدر الامتثال للشرع بأيسر عبارة وأوضح معنى مفهوم، وتحل المشكلة التي حيرت البشرية البعيدة عن الوحي منذ أزمنة متطاولة في كيفية الجمع بين الأمرين، بين الشرع وبين القدر، بين شهود أفعال يخلقها رب قادر وبين أن العباد لهم قدرة وإرادة وأفعال، فهذه المسألة لم تزل تحير البشر،
منهم من قال بالجبر ولم يرى قدرة الإنسان ولا إرادته،
ومنهم من قال بنفي القدر وقال لا توجد قدرة لله على أفعال العباد الاختيارية،
ومنهم من أنكر وجود الله بالكلية - كالماركسيين مثلا-، فسبب الإلحاد عند ماركس هو هذه القضية فقد أنكر وجود الله بالكلية لأنه لم يفهم هذه المسألة، بل مدار نفيه لوجود الله - عندما يبرره في فلسفته- هو أنه كيف نقول بوجود رب لابد أن يتصرف في أفعال عباده؟، ولو تصرف في أفعال العباد يبقى أنه لا معنى لأمرهم ونهيهم ولا لوجود تشريع أو دين وبالتالي نفى الدين ونفى وجود الله، والعياذ بالله.
لذا فهذه الجملة (لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك) والتي قبلها (أنا بك وإليك) تحل هذه المشكلة، فنحن نؤمن بالقدر ونستعين بالله شاهدين قوته وقدرته وحكمته وحكمه وعدله وفضله، ونشهد كذلك حكم الله الكوني فله الحكمة في كل ما يقدر، وهو العدل في كل ما يفعل، والأمر بيده عز وجل ومن ثم نعمل بالشرع نخضع له ونستسلم لأوامر الله الشرعية ونحن مستعينين بالله في ذلك راغبين في فضله راهبين من عقابه محبين له ولما يحبه ويرضاه.
ترى ذلك الأمر في الفاتحة حيث التأكيد على هذه القضية في (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الفاتحة 5، ذلك أن هذه القضية عظيمة الأهمية فهي متكررة كثيرا جدا في مواطن مختلفة وكذلك هي موجودة في معظم أدعية النبي صلى الله عليه وسلم فقد تكرر كثيرا الجمع بين الإيمان بالقدر والإيمان بالشرع، تجد ذلك أيضا في سورة الحديد قال عز وجل (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا) الحديد 22 ثم قال بعدها (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) الحديد 25، فنحن نعمل بالشرع ونؤمن به، نؤمن أن المصائب كلها مقدرة قبل خلق العالم ونؤمن كذلك بأن الشرع نزل ليقوم الناس بالقسط -الكتاب والميزان -الذي توزن به الأعمال والأقوال القياس الصحيح.
وقوله صلى الله عليه وسلم (تباركت وتعاليت)
البركة الخير الكثير، فتبارك الله أي كَثُر خيره وعَظُمت صفاته وحَسُنت أسمائه سبحانه وبحمده.
