12- أنا بك وإليك
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
إن هذا من أعظم رجاء يرجو به العبد الخير من ربه وهو أن يشهد الخير الكثير منه عز وجل وفي صفاته وفي أفعاله عز وجل، فمن هنا يرجو العبد أعظم الرجاء والله عز وجل لا يُعدم منه الخير أبدا، وفي الحديث (لن نعدم من ربِ يضحك خيراً) ، فكذلك لن نعدم من ربِ تبارك خيراً، يقول الله عز وجل (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) الملك 1، (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) الفرقان 1، فلا نزال نرجو الخير من الله تبارك وتعالى.
والتعالي من صفاته سبحانه وتعالى وهو بمعنى العلو،
علو الذات فهو فوق عرشه كيف شاء سبحانه وعرشه سقف لجميع مخلوقاته فهو عز وجل فوق خلقه جميعاً (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) النحل 50، (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) الأعلى1 ، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) البقرة 255, هذا علو الذات.
وعلو الشأن فهو سبحانه وتعالى متعال في كل صفات كماله عما يضادها من النقص، فتعالى في وحدانيته وإلهيته عما يشركون، تعالى عن وجود الشريك وتعالى في كمال أسمائه وصفاته عما يصفه به المخالفون للرسل من صفات النقص كما يقولون (قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً) البقرة 116 تعالى عما يصفون، تعالى عما يشركون، تعالى في كمال ربوبيته وقيومته عن الظهير والمعين، (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ) سبأ 22، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، وتعالى في كمال حياته عن السنة والنوم والموت (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) الفرقان 58، وقال تعالى (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) البقرة 255، وتعالى في كمال عدله عن الظلم ولو مثقال ذرة (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) النساء 40، وتعالى في كمال حكمته عن العبث واللعب واللهو (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ) الأنبياء 16, وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) المؤمنون 115, 116 وقال (لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) الأنبياء 17 أي ما كنا فعلين, إن هنا نافية.
وتعالى في كمال قدرته عن العجز والإعياء والتعب واللغوب (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) فاطر 44 وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) الأحقاف 33، فهو لا يصيبه إعياء سبحانه وتعالى (بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الأحقاف 33، كذلك تعالى عن التعب واللغوب قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ) ق 38، وتعالى عز وجل في كمال علمه عن الجهل والنسيان وغياب شيء عن علمه قال عز وجل عن موسى (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى) طه 52، فهو لا يجهل ولا ينسى (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) سبأ 3، عالم الغيب والشهادة (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) الأنعام 59، وتعالى سبحانه في كل صفات الكمال عن أي صفات نقص سبحانه وبحمده (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) الشورى 11.
والمعنى الثالث علو القهر (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) الأنعام 18, (وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) الرعد 16، قد قهر كل شيء وهو غالب على أمره لا يُنازع ولا يُغالب ولا يُمانع (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ) الرعد 11، إذا أرد أمراً لا يمنعه منه أحد (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا) الأنبياء 43، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، إذا أمر أمراً لا يُرد وإذا حكم بحكم لا يوجد تعقيب عليه لا شرعاً ولا قدراً، وهنا المقصود قدراً (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) يس 82، فكل من سوى الله مقهور تحت أمره سبحانه.
إذا استشعر العبد ذلك (تباركت وتعاليت) تصاغر الخلق في قلبه وفي عينيه وشعر بأن الأمر من فوق (تعاليت) ، فيشعر بعلو الله والأوامر نازلة من عند الله لا من عند الناس ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ) السجدة 5، يستشعر أن المَلك يُدبر، وأن المُلك يدبره مالكه الحق من فوق سبع سماوات وأن أعمال العباد -وهو منهم-معروضة عليه سبحانه، وهذا من أعظم أسباب الإخلاص والصدق مع الله سبحانه وتعالى، حين تعلم أن عملك معروض على الله صاعد إليه، وبالتالي فأنت تراقب الله عز وجل في عملك وتخلص له وتنسى الناس وتستصغرهم ولا تعمل من أجلهم، ولذلك هناك ارتباط عظيم بين قضية العلو وقضية الإخلاص والتوحيد والإلهية، فإذا قال العبد (تباركت وتعاليت) أثبت صفات الكمال لله وعلم علو الله عز وجل على خلقه فرجى الخير من الله وأخلص لله وحده لا شريك له.
هذا كله يحصل به أعظم أنواع العلم والخير للعبد إذا استحضر هذا الدعاء العظيم، لم يبق إذن إلا إزالة العوائق, العوائق هي الذنوب لذا كان ختم الدعاء بالاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل.
ونستكمل هذا في مقالة تالية إن شاء الله
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب إليك.
