شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التشريك في النية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

5- المجاهد يريد الأجر والغنيمة دل الحديث المذكور آنفاً على مشروعيته، وكذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) صحيح الجامع

وأما الصورة الثالثة: وهي أن يقصد بالعمل الواحد قربتين، ويكاد الفقهاء يجمعون على أن الأصل عدم جواز ذلك لأن الأمر بالعبادة يقتضي الإتيان بها ظاهراً وباطناً، ومن أتى بفعل ظاهر واحد وجمع له نيتين لم يكن قد أتى بالفعلين المأمور بهما، ولذلك فالإجماع أنه لا يجوز أن يصلي أربع ركعات بنية الظهر والعصر مثلاً وإن كانتا من الفوائت.

وقد أجمع العلماء على استثناء الحج والعمرة من هذه القاعدة لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) صحيح الجامع

وذهب ابن حزم إلى أن هذا هو الاستثناء الوحيد حتى أنه ذهب إلى عدم جواز الجمع بين نية العبادة وبين إرادة أي منفعة دنيوية كما تقدم، وكذلك هنا لا يرى جواز الجمع بين أكثر من نية لأي عبادة غير الحج والعمرة، بينما ذكر الفقهاء فروعاً كثيرة جوَّزوا فيها الجمع بين النيات، ولا شك أن لديهم قاعدة لتمييز ما يقبل الاشتراك أو التداخل مما لا يقبل، وإن لم يعنوا ببيانها تاركين ذلك لعلماء القواعد الفقهية.

ومن المعلوم أن القاعدة الفقهية تنشأ من مجموعة أحكام فرعية معللة بعلة يمكن أن توجد في غير تلك الصور المنصوص عليها، فيجرد العلماء منها قاعدة لكي يطبقوها على نظائر هذه الفروع، فلنبدأ ببيان الصور المنصوص عليها في التشريك في النية أو التداخل بين العبادات:

1- التداخل بين الحج والعمرة، وإن كانت هذه الصورة خاصة لا تقبل القياس عليها كما هو واضح.

2- تداخل الطهارة، فيكتفي عند تعدد الحدث بطهارة واحدة لأن الشرع لم يأمر المجامع الذي أنزل في جماعه بغسلين مع أن الجماع والإنزال كلاهما حدث مستقل.

ومن المنصوص عليه أيضاً -والله أعلم- تداخل الوضوء والغسل وفي ذلك آثار جيدة عن الصحابة، ومنه أيضاً التداخل بين غسل الجمعة وغسل الجنابة، وبه يقول الجمهور، ولكن هل هو من المنصوص عليها أم مخرج على القاعدة، والذي يبدو لي -والله أعلم- أنه يمكن أن يستخرج حكمه من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من غسَّل واغتسل) أي جامع فأوجب الغسل على زوجته واغتسل، ففيه الندب إلى أن يجعل غسل الجمعة من جنابة أيضاً، ولم يأمره بغسلين.

3- ومن ذلك المثال الذي ذكره الغزالي في المكث في المسجد والنيات التي يستحضرها العبد فيه، وكلها جاء الشرع ببيانها وبترغيب المكلفين في طلبها، وهي تحصل تلقائياً بمشي العبد إلى المسجد وبمكثه فيه.

4- قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة) رواه النسائي وصححه الألباني، وبنحوه أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب امرأة ابن مسعود وامرأة معها -رضي الله عنهم- عن الصدقة على أزواجهما وأيتام في حجورهما فقال: (لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصلة) متفق عليه.

وإذا كانت تلك هي الصور المنصوص عليها فيسهل حينئذ استخراج الضابط لما يقبل الاشتراك وما لا يقبل، يقول الدكتور الأشقر في "مقاصد المكلفين": "وأما ما صححوه من تجويز عبادتين بنية واحدة فالذي يظهر لي أن الشارع قد اعتبر فيه هذين الأمرين المقصودين ولو لم يقصدهما الفاعل، فالذي يتصدق على ذوي رحمه ينال أجرين أجر الصدقة، وأجر صلة الرحم، فإذا قصد هذا الشيء الذي أقره الشارع لم يكن مخالفاً بل موافقاً مصيباً.

وهذا الضابط هو الذي يسميه الشاطبي بالمقاصد الأصلية والمقاصد التابعة كما في المسألة العاشرة من الفصل الثالث من كتاب الأدلة الشرعية من كتاب الموافقات، وبناء على هذا الضابط يمكن أن تدرس الفروع المختلفة وإن كان لا يلزم أن تتفق نظرة العلماء إلى كل المسائل في مدى اعتبارها أصلية أو تابعة.

وإن استبعدنا قول الظاهرية الذي يرفض التشريك إلا في الحج والعمرة يمكن استعراض المسائل الفرعية التالية:

1- لا يشرع إلا وضوء واحد وإن تعددت الأحداث الصغرى، وكذلك لا يشرع إلا غسل واحد وإن تعددت الأحداث الكبرى.

2- تغني الطهارة من الحدث الأكبر عن الطهارة من الأصغر.

3- يغني غسل الجمعة عن الجنابة والجنابة عن الجمعة إن وقع في يومها سواء نواهما أو نوى أحدهما، ولبعض العلماء تفصيل في ذلك.

4- تجزئ صلاة النافلة أو الفريضة عن تحية المسجد. فقال ابن نجيم في الأشباه والنظائر، ونقله عنه الأشقر في مقاصد المكلفين: "لأن تحية المسجد تحصل وإن لم يقصدها".

5- وركعتا الوضوء والطواف لهما نفس الحكم عند الجمهور.

6- وكذلك على الصحيح ركعتا الاستخارة بحيث تصح الاستخارة عقب أي ركعتي نافلة، حتى لو لم ترد على باله استخارة إلا بعد الفراغ منهما.

7- وأما الصوم فالاختلاف فيه واسع، وإن كانت القاعدة شبه متفق عليها، ولكن الخلاف في تقدير الأيام الفاضلة التي ورد الترغيب في صيامها. فهل ذلك لكونه عبادة مستقلة كالسنن الرواتب؟ أم لأن هذه الأزمان فاضلة يشرع تعميرها بالصوم؟ وفي المسألة طرفان ووسط:

أما الطرف الأول فصيام الاثنين والخميس: فالأمر فيهما واضح في قوله -صلى الله عليه وسلم- عنهما: (ترفع فيهما الأعمال إلى الله وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) صحيح، ومن ثم فصيام الاثنين والخميس مثل تحية المسجد فإن كان اليوم مشغولاً بصيام رمضان أو قضاء رمضان أو نذر أو غيره وإلا استحب إنشاء صيام مخصوص في هذين اليومين.

وأما الطرف الثاني فصيام ستة أيام من شوال، فيكاد العلماء يتفقون على أن العدد هنا مقصود، وأنها ستة أيام لكي يقوموا في المضاعفة بثواب شهرين كما ورد في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني في صحيح الترغيب عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة) صحيح.

ويتفرع على اعتبار صيام الستة أيام من شوال عبادة أصلية لا تبعية أمور:

الأول: عدم جواز الجمع بينهما وبين أي عبادة أصلية أخرى.

الثاني: جواز إيقاعها في أيام الاثنين والخميس لكونهما من العبادات التبعية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية