شخصية المرأة المسلمة (3) علاقة المرأة المسلمة بوالديها
صوت السلف • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
بارة بهما:
فإن مِن أبرز ما تتميز به المرأة المسلمة الراشدة برها بوالديها والإحسان إليهما؛ ذلك أن الإسلام حضَّ على بر الوالدين في كثيرٍ مِن النصوص القاطعة مِن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكل مسلمة تطالِع هذه النصوص لا يسعها إلا الالتزام بهديها، والمسارعة إلى برِّ والديها مهما تكن الظروف، ومهما تكن العلاقة بين الفتاة ووالديها.
عارفة قدرهما وما يجب عليها نحوهما:
تدرك المرأة المسلمة مِن خلال تلاوتها لكتاب الله -عز وجل- المرتبة العالية التي رفع الله إليها الوالدين، وإنها لمرتبة ما عرفها البشر إلا في هذا الدين؛ إذ جعلها تلي مرتبة الإيمان بالله والعبودية له، فقد تتابعت آيات الله الكريم واضعة مرضاة الوالدين بعد مرضاة الله -عز وجل-، وجاعلة الإحسان إليهما رأس الفضائل بعد الإيمان بالله، قال -تعالى-: ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) (النساء:36) .
ومِن هنا؛ كانت الفتاة المسلمة الواعية هدي دينها أبر بوالديها مِن أي فتاة أخرى؛ إذ لا يتوقف برها لوالديها عند انتقالها إلى عش الزوجية حيث يكون لها عالمها الخاص المستقل الشاغل اللاهي، بل يستمر برها بوالديها ما تنفس بها العمر وامتدت بها الأيام؛ عملًا بهدي القرآن الكريم وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبخاصة عندما يصلان إلى مرحلة العجز والضعف والهرم، ويحتاجان إلى الخلق الراقي والبسمة الحانية والكلمة الودود.
قال -تعالى-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (الإسراء:23-24) .
فالمرأة المسلمة التقية الداعية التي استنارت بصيرتها بنور القرآن الكريم تتلقى -دومًا- مثل هذا الإيقاع الرباني الجميل بالانقياد والتسليم، وكلما تليت الآيات الموصية بالوالدين تزداد برًّا بهما وإحسانًا إليهما وإقبالًا على خدمتهما وتفانيًا في التماس رضاهما.
لقد جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو المربي العظيم؛ بر الوالدين بين أعظم عملين في الإسلام: الصلاة على وقتها والجهاد في سبيل الله، والصلاة عماد الدين، والجهاد ذروة سنام الإسلام، فأي مقام كريم هذا؟!
فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ: ( الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟! قَالَ: ( ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ( متفق عليه ) .
ولا ننسى موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يعبئ كتائب الجيش للجهاد أن يذكر بقلبه الإنساني الرفيق ضعف الوالدين، وحاجتهما لابنهما، فيصرف أحد الصحابة المتطوعين للجهاد عن التطوع، ويلفته برفق إلى العناية بوالديه -مع حاجته إلى كل ساعد يضرب بالسيف آنذاك-، حيث جاءه رَجُلٌ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: ( أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟! ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ ) (متفق عليه) .
ولما أنكرت أم "سعد بن أبي وقاص" عليه إسلامه، وقالت له: "إما أن ترجع عن إسلامك وإما أن أضرب حتى أموت فيعيرك العرب؛ إذ سيقولون: "قاتل أمه"، فأجابها سعد: "تعلمين -والله- لو كان لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما رجعت عن إسلامي!"، وصبرت أمه يومًا فيومين، وفي اليوم الثالث أجهدها الجوع فطعمت، وأنزل الله قرآنًا يتلى فيه عتاب لسعد على شدته مع أمه في جوابه لها، قال -تعالى-: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (لقمان:15) .
وفي قصة "جريج العابد" عبرة بالغة في أهمية بر الوالدين، والمسارعة في طاعتهما، إذ نادته أمه وهو يصلي فقال: ( يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ فَانْصَرَفَتْ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ فَانْصَرَفَتْ ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ : يَا جُرَيْجُ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاتِي ، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ ، فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ ) ( متفق عليه ) .
وقد استجاب الله دعاء أمه عليه، فادعت عليه امرأة بغي الزنا بها، وكاد أن يقام عليه الحد؛ لولا أن تداركته رحمة الله فأنطق الغلام ببراءته.
ومِن هنا؛ رأى الفقهاء أن المرء إذا كان في صلاة النفل وناداه أحد والديه فعليه أن يقطع صلاته ويجيبه.
ولقد وقر في قلوب المسلمين والمسلمات وجوب بر الوالدين، فسارع الأبناء والآباء إلى برهما في حياتهما، وبعد مماتها، والأخبار والأحاديث في ذلك كثيرة، منها: أن امرأة جاءت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟" قَالَ: ( نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟! ) قَالَتْ: "نَعَمْ"، فَقَالَ: ( اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ ) ( رواه البخاري ) .
