شخصية المرأة المسلمة (3) علاقة المرأة المسلمة بوالديها
صوت السلف • المرأة والأسرة
وجاءت أخرى فقالتْ: "إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ" فَقَالَ: ( وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ ) قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟!" قَالَ: ( صُومِي عَنْهَا ) قَالَتْ: "إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟!" قَالَ: ( حُجِّي عَنْهَا ) ( رواه مسلم ) .
تبر والديها ولو كانا غير مسلمين:
وتوضح هذا توجيهات النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، إذ يوصي ببر الوالدين والإحسان إليهما ولو كانا على غير دين الإسلام، وذلك فيما حدثتنا به أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْىَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْىَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟!" قَالَ: ( نَعَمْ صِلِى أُمَّكِ ) ( متفق عليه ) .
فالمرأة المسلمة الواعية لهذه التوجيهات القرآنية العالية، واللفتات النبوية السامية لا يسعها إلا أن تكون مِن أبرّ الخلق بوالديها في كل حال، وفي كل آن، وهذا ما كان عليه الصحابة ومَن تبعهم بإحسان، فقد سأل رجل سعيد بن المسيب قائلًا: "لقد فهمت آية بر الوالدين كلها، إلا قوله -تعالى-: ( وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا )؛ فكيف يكون القول الكريم؟"، فأجابه سعيد: "يعني: خاطبهما كما يخاطب العبد سيده".
وكان ابن سيرين -رحمه الله- يكلِّم والدته بصوت ضعيف كأنه صوت مريض؛ إجلالاً لها واحترامًا.
شديدة الخوف مِن عقوقهما:
وبقدر مسارعة بر المرأة المسلمة بوالديها تخشى مِن الوقوع في جريمة عقوقهما؛ ذلك أنها تدرك فداحة هذه الجريمة التي تعد مِن الكبائر، وتعرف الصورة السوداء المعتمة التي رسمتها النصوص الصحيحة لكل عاقة لوالديها باقتران العقوق بالشرك بالله كما اقترن البر بهما هناك بالإيمان بالله، فعن أبي بكرة نفيع بن الحارث، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟! ) قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) ( متفق عليه ) .
تبر أمها ثم أباها:
جاء هذا في الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءه رجل فسأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِى قَالَ: ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( أُمُّكَ )، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أَبُوكَ ) (متفق عليه) .
ففي هذا الحديث تأكيد مِن الرسول الكريم على أن بر الأم مقدم على بر الأب، ولقد استثار القرآن الكريم مشاعر البر والعرفان في نفوس الأبناء، فوصى بالوالدين، وخص الأم بالفضل؛ بسبب الحمل والرضاعة، وما تكابد مِن مشاق ومتاعب في هاتين المرحلتين مِن مراحل الحياة في صورةٍ لطيفةٍ حانيةٍ توصي بالبذل النبيل والحنو المطلق، قال -تعالى-: ( وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) (لقمان:14).
وهذا ابن عمر -رضي الله عنهما- يشهد رجلاً يمانيًّا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، حَمَلَ أُمَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، يَقُولُ:
إِنِّـي لَهَـا بَعِـيـرُهَــا الْـمـُذَلَّلُ إِنْ أُذْعِرَتْ رِكَابُهَا؛ لَمْ أُذْعَرِ
ثُمَّ قَالَ: "يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِي جَزَيْتُهَا؟!" قَالَ: "لاَ، وَلاَ بِزَفْرَةٍ وَاحِدَةٍ".
