شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (42) المتسربون من التعليم... مسئولية مَن؟ (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد شهدت مصر في عهد (محمد علي) نهضة علمية كبيرة لملاحقة التقدم العلمي في أوروبا، فكانت البعثات العلمية إلى أوروبا وإنشاء العديد من المدارس في نواحي العلوم الصناعية والهندسية، والعسكرية والطبية، وغيرها، ولكن هذه النهضة صبغت بالعلمانية الدنيوية فجاء ذلك على حساب التعليم الديني الذي كان سائدًا في مصر قبل محمد علي متمثلًا في التعليم الأزهري، الذي فقد كثيرًا من مكانته من جراء تقديم تعلم العلوم الدنيوية عليه.

وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882م حرصت سلطة الاحتلال على إيقاف هذه النهضة العلمية، ووضع العراقيل في طريقها من جهة، وتغريب التعليم في مصر وجعله تعليمًا علمانيًّا من جهة أخرى، من خلال تغيير المناهج الدراسية، وتدخل رجال المستعمر فيها، وكان من أبرزهم المندوب السامي البريطاني: (كرومر)، ومن خلفه مستشاره -المستشرق خريج المدارس اللاهوتية-: (دانلوب)، الذي تولى الإشراف على مجريات هذا التغيير.

وقد دخلت مصر القرن العشرين الميلادي، وهي تعاني من الفقر والأمية والمرض في ظل احتلالٍ مستبدٍ، وخديوي عاجز عن السيطرة على أحوال البلاد، وحركة وطنية ينازعها توجه ليبرالي قومي، وبعد الحرب العالمية الأولى وثورة 1919م حصلت مصر على الاستقلال الصوري الذي لم يغير من وضع الاحتلال البريطاني لمصر كثيرًا، وشهدت مصر فترة ساد فيها الفكر والتوجه العلماني الليبرالي في السياسة والاقتصاد حتى قيام ثورة يوليو 1952م التي حملت معها التوجه العربي القومي بزعامة جمال عبد الناصر، الذي حاول من جديد أن يقود مصر إلى نهضة كبيرة زراعيًّا وصناعيًّا واقتصاديًّا في الخمسينيات، والتي ما لبثت أن تأثرت باستنزاف اقتصاد مصر في حرب اليمن من عام 1962 م إلى عام 1967 م، ثم توقفت بهزيمة مصر القاسية في يونيو1967م، التي كانت إيذانًا بنهاية الحقبة الناصرية.

ورغم الأمية التي كانت سائدة في مصر في بدايات القرن العشرين، فقد كان التعليم في مصر يقطع خطوات نحو النهوض بالمصريين، وكانت أكبر عيوبه أن التعليم كان قاصرًا تقريبًا على أبناء الأغنياء والمقتدرين من الأسر المصرية، وحرم منه أبناء جموع المصريين؛ بسبب مصروفاته الكبيرة التي لا يقدر عليها الكثيرون من الأسر البسيطة العادية إلا القليل من المتفوقين من أبناء البسطاء أو الفقراء الذين يمنحون التعليم المجاني لتفوقهم.

وبعد قيام ثورة يوليو صار التعليم بالمجان في كل مراحله، وأتيح لكل أبناء طوائف الشعب أخذ فرصتهم كاملة في التعليم بلا تمييز، ورأينا أبناء البسطاء من الفلاحين والعمال يحصلون على أعلى الشهادات العلمية، ويتولون أعلى المناصب في الدولة، في درجة من الجودة في التعليم لا بأس بها بمقاييس العصر، (ففي الخمسينيات والستينيات، بل ومنذ نشأة جامعة القاهرة في بداية القرن العشرين كانت جامعات مصر من أهم جامعات العالم، فقد كان خريج جامعة القاهرة أو الإسكندرية يقبل في كل جامعات العالم للتحضير للماجستير أو الدكتوراه دون أن يطلب منه اجتياز أي اختبار أو حتى عمل معادلة، كانت شهادات البكالوريوس والليسانس المصرية معترف بها في كل العالم، وكانت المدارس الحكومية المجانية أعلى مستوى من كل المدارس الخاصة، فلم يكن يلجأ إلى التعليم الخاص سوى الطلبة المتعثرين أصحاب المجاميع الضعيفة، والتي لا تؤهلهم للتعليم الحكومي الذي كان أرفع مستوى، بل أن الجامعة الأمريكية نفسها لم يلجأ إليها سوى المتعثرين في الثانوية العامة، وكانت لجامعات مصر أفرع خارج البلاد، مثل: جامعة بيروت في لبنان التي كانت فرعًا لجامعة الإسكندرية، وجامعة الخرطوم في السودان التي كانت فرعًا من جامعة القاهرة، ناهيك عن جامعة الأزهر، والتي كان لها فرع أيضًا في السودان، وكانت مصر تتوسع في نشر جامعاتها ذات السمعة العالمية خارج مصر، في حين أنها اليوم تتوسع في نشر الجامعات الأجنبية داخل البلاد كاعتراف بتدهور التعليم الوطني. (انظر "هكذا يجب أن تحكم مصر"، للفنان التشكيلي د. ياسر شحاتة، دار الثقافة الجديدة، القاهرة ط. أولى 2016م، ص: 7 - 8) .

ولم يكن يدور في خاطر المصريين الهجرة إلى أوروبا أو الإقامة فيها (بل إن أوروبا كانت للمصريين بمثابة المنفى القاسي غير المحتمل، فقد نفي بيرم التونسي أكثر من مرة إلى فرنسا، وكان يعود متخفيًا بأوراق مزورة فينفى إليها مرة أخرى رغم توسلاته للسلطة، ونفي أحمد شوقي إلى إسبانيا ولم تتوقف توسلاته للعفو والعودة حتى عفت عنه السلطة وعاد إلى مصر عام 1920 بعد عذاب 5 سنوات في إسبانيا.

كانت الشوارع في المدن المصرية مضرب المثل في النظافة والنظام، والجمال والأناقة، والبيوت والفيلات الأنيقة، والشرفات تعج بالزهور والورود، كانت الحدائق في المدن المصرية تمتلئ بالأشجار والنافورات والأزهار، وبرك يسبح فيها البط والبجع).

لقد (اختيرت القاهرة أجمل عواصم العالم عام 1936م)، وفي نفس الوقت (ظلت الإسكندرية عقودًا طويلة أجمل مدن البحر الأبيض المتوسط)، (وكان نمط الحياة المصري حلمًا ليس فقط لكل العرب، بل لعددٍ كبيرٍ من العالم) (المصدر السابق، ص 13 بتصرف) .

ما بعد تدهور التعليم في مصر:

تبدلت الأمور وتغيرت بصورة كبيرة بعد نكسة 1967م، وتوقفت النهضة التعليمية وتأخر التعليم لعقود طويلة فلم تبنَ مدارس جديدة مناسبة، ولم يتطور التعليم بما يتمشى مع تغير متطلبات العصر، ولم تتحسن أحوال المعلمين ليصبحوا قادرين على القيام برسالتهم على الوجه المطلوب، لتتراجع مرتبة مصر التعليمية إلى الوراء كثيرًا، ففي بعض الفترات تخطت الأمية في مصر 50 % في بعض المحافظات، (ومن خلال تقرير التنافسية العالمية لعام 2013م التابع لليونسكو تأتي مصر في المرتبة قبل الأخيرة في التعليم الأساسي (الابتدائي)، وبالتحديد رقم: 144 من 145 دولة، يأتي ترتيب مصر قبل الأكوادور أسوأ دولة في العالم في التعليم الأساسي، بل إن هناك من أتموا تعليمهم الابتدائي ولا يجيدون القراءة والكتابة.

الصفحة التالية