مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (14) الاضطرابات الأسرية (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا تزال الاضطرابات الأسرية تمثِّل سببًا من أكبر أسباب القسوة في المجتمع، وغرس بذرتها في قلوب الأبناء، وقد سبق الكلام على قوامة الرجل على المرأة، ومقوماتها، وصفة المرأة الصالحة، وطاعتها لزوجها، وحفظ الزوج في غيابه في نفسها وماله وعرضها وأسرار المنزل بتوفيق الله لها، وحفظه لها.
ولمَّا كان الخطأ والخطيئة من طبيعة الإنسان؛ فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون؛ فلا بد من علاج ما قد يحدث من شقاق؛ فبينت الآيات أولًا علاج نشوز الزوجة حتى يعود البيت إلى الاستقرار، قال -تعالى-: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ) (النساء:34) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز؛ فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه؛ فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لو كنْتُ آمرًا أحدًا أن يَسْجُدَ لأحدٍ لأَمَرْتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ) (متفق عليه) ، ورواه مسلم ولفظه: ( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ، هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ )؛ ولهذا قال -تعالى-: ( وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ).
وقوله: ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ): قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون -منهم: السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس في رواية-: ولا يكلمها مع ذلك، ولا يحدثها.
وقال علي بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس: يعظها؛ فإن هي أقبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يرد نكاحها، وذلك عليها شديد.
وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومقسم، وقتادة: الهجر هو: ألا يضاجعها.
وقد روى أبو داود (بسند ضعيف) عن أبي مرة الرقاشي، عن عمه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع"، قال حماد: يعني النكاح.
وفي السنن والمسند (بسندٍ جيدٍ) عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، أَوِ اكْتَسَبْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ).
وقوله: ( وَاضْرِبُوهُنَّ ): أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في حجة الوداع: ( واتَّقُوا اللهَ فِي النِّساءِ، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ (أي: أسيرات)، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشكم أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ (أي: لا يأذن في بيوتكم لأحدٍ تكرهونه، ولا تأذنون في دخوله)، فَإِنْ فَعَلْن فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح، وَلَهُنَّ رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بِالْمَعْرُوفِ ).
وكذا قال ابن عباس وغير واحد. ( ضَرْبا غَيْرَ مُبَرِّح ): قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر. قال الفقهاء: هو ألا يكسر فيها عضوًا أو عظمًا، ولا يؤثر فيها شيئًا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المَضْجَع؛ فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا؛ فإن أقبلت وإلا فقد أحَلَّ لك منها الفدية.
وعن عبد الله بن أبي ذباب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَضْرِبوا إماءَ اللهِ )، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ذئِرَت النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَقَدْ أطافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ ) (رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وروى الإمام أحمد (بسند ضعيف) عن الأشعث بن قيس قال: "ضِفْتُ عمر، فتناول امرأته فضربها، فقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثًا حَفِظْتُهن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة" وكذا رواه أبو داود والنسائي) (انتهى من تفسير ابن كثير -رحمه الله-) .
فالظاهر من سياق الآية ثم من كلام السلف أن هذه الأنواع من العلاج هي على الترتيب؛ فلا بد أن يبدأ بالموعظة والتذكير بالله بالعودة إلى فراشه، وطاعته فيما لزمها من الطاعة في المعروف؛ فإن أبت واستمرت على نشوزها فله هجرها؛ فإن أبت فله ضربها ضربًا غير مبرِّح.
وقد دلَّ كلام السلف على أن الهجر أنواع:
الأول من معاني الهجر: هجرها وهو في الفراش، ويترك الإقبال عليها ويوليها ظهره، أو أن يتكلم معها بالغليظ من الكلام دون أن يدع نكاحها -أي: جماعها-، وذلك عليها شديد.