مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (14) الاضطرابات الأسرية (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الثاني من معاني الهجر: أن يهجر جماعها، وكذلك أن يترك كلامها بالكلية؛ مع أن الأصل تحريم هجر الرجل المسلم أخاه، وزوجته أحق الناس بعدم الهجران؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ ) (متفق عليه) ، ولكن قد دلَّ الدليل على أن العاصي والمبتدع والمصر على المعصية يجوز هجرانه، وقد يستحب أو يجب حسب الحال، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع الثلاثة الذين خُلفوا حتى تابوا إلى الله -عز وجل-، فالزوجة الناشزة التاركة لفراش زوجها، أو المتبرمة أثناء المعاشرة المتأففة من الجماع ومقدماته عاصية لله بذلك، يجوز أن يهجرها حتى تتوب إلى الله وتفيء إلى زوجها.
الثالث من معاني الهجر: أن يترك فراشها بالكلية، ويهجرها في البيت، وزاد ابن جرير أن يوثقها في بيتها، والظاهر أن معناه: ألا يخرجها من البيت، والدليل على معنى الهجر في البيت حديث معاوية بن حَيْدة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ )، وقد سبق نصه في كلام ابن كثير.
الرابع من معاني الهجر: أن يهجر البيت بالكلية ويسكن بعيدًا عنها، وقد دلَّ على ذلك فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين هجر نساءه لما سألنه النفقة التي لا يملكها، فهجرهن شهرًا في مَشْرُبَةٍ له، وهو ثابت في الصحيح، وهذا يدل على أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ) هو على الاختيار وكراهية الهجران خارج البيت، وليس على التحريم أو على حسب درجة المعصية والإصرار على النشوز؛ فهذه درجات الهجر التي يصح استعمالها.
أما الضرب: فقد ورد في السنة بتقييده بالضرب غير المبرح، والواجب حمل المطلق على المقيد مع اتفاق الحكم والسبب، وهو هنا كذلك بلا نزاع، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في خطبة حجة الوداع: ( فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ )، وقد اتفقت كلمة السلف على تقييد الضرب هنا بغير مبرح، قال الحسن: غير مبرّح، غير مؤثر، فلا يحدث شينًا، أي: عيبًا وعلامة ظاهرة؛ كزُرْقَةٍ أو خُضْرَةٍ في الجلد وكذا الحمرة الشديدة، ولا يشُق جلدًا، أي: لا يجرحها أو يدميها، ولا يكسر عظمًا؛ فإن هذا لا يحدث إلا مع الضرب الغليظ الشديد.
وقد سبقت أدلة تحريم ضرب الوجه للإنسان مطلقًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ) (متفق عليه) ، فالوجه مجمع المحاسن، وهو الصورة التي سوَّاها الله بيده؛ ولذا كان ضرب المملوك والخادم على وجهه محرمًا، فكيف بضرب الزوجة والابن والابنة والمتعلم، وغير ذلك مما قد يُفعل كنوع من العقوبة المهينة؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ، فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ ) (رواه مسلم) ، وهو صريح في تحريم ضرب الوجه للمملوك، فالزوجة بطريق الأولى.
وقد أكثر الغربيون والتغريبيون مِن تجريم العنف ضد المرأة، مع أنها لفظة مجملة، وهي عندهم تشمل الضرب غير المبرِّح الذي أذِن فيه شرع الله، وحاول بعض مَن يقلدونهم من تحريف كلام الله عن مواضعه؛ فزعموا أن الضرب معناه: أن يعفو عنها ويُعرض عن فعلها، واستدلوا بقوله -تعالى-: ( أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِين ) (الزخرف:5) ، ولا يشك عالم بتفسير القرآن؛ أن هذا من تحريف الكلم عن مواضعه، وليس هذا عند أحدٍ مِن أهل العلم، ولا من كلام السلف؛ فضلًا عن أنه لا يُفهم مِن العربية بوجهٍ من الوجوه!
وللحديث بقية -إن شاء الله-.