شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (43) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (1-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تخوض بلادنا معركة كبيرة من أجل التطور والتقدم والتنمية، تحتاج فيها إلى عشرات الآلاف من الكفاءات العلمية من العلماء والخبراء، والأساتذة والإداريين في كل المجالات في الهندسة والطب، والصناعة والزراعة والإدارة، وإلى الآلاف مِن الفنيين، والعمالة الحديثة المهرة، وإلى أصحاب المواهب في كافة التخصصات.

وعلى الرغم من ذلك، فإننا ومنذ عقود طويلة نعاني من نزيفٍ دائمٍ نفقد به كفاءتنا العلمية بصفة مستمرة بهجرة عقولنا المتخصصة من بلادنا إلى بلاد الغرب حيث التكنولوجيا والتقدم العلمي، فتشارك هناك في زيادة دفع عجلات التقدم والازدهار بعد حصولها على أدق وأعلى مستويات التخصص هناك.

وهذه الهجرة وهذا النزيف، قضية كبيرة وخطيرة ينبغي التصدي لها والتعامل معها بعد كل هذا السبات العميق لعشراتٍ من السنين تعرضنا فيها لخسارة بشرية ومادية ضخمة سحبت من رصيدنا لتضاف إلى رصيد الغرب، ليزداد الغرب تفوقًا وتقدمًا، ويزداد تخبطنا وتشتد معاناتنا وتلاحقنا المشكلات وتتعقد الأزمات، حتى صرنا نحتاج إلى ما يشبه المعجزة للخروج منها، أي: أننا دفعنا بسبب هذه الهجرة ثمنًا غاليًا جدًّا في وقتٍ كنا فيه في أشد الحاجة إلى تلك الكفاءات والطاقات.

إن كل كفاءة نمت في بلادنا خلال مسيرتها التعليمية، وأثبتت تفوقها واستكملت مشوارها العلمي حتى بدايات التخصص الدقيق قد أنفق عليها الآلاف من الجنيهات، وتفانت الأسرة والدولة في تعليمها وإعدادها أملًا من الجميع أن تؤتي هذه الكفاءة والموهبة والمهارة أكلها، وتستفيد الأمة كلها من جهودها ونبوغها، ولكن للأسف الشديد يجد هذا المجتهد النابغ الأبواب مؤصدة أمامه ليستكمل ما يحلم به لنفسه وبلده، فلم تحسن الدولة اختيار مجال تعليم له تحتاج إليه فيه، أو لم تقدر على توفير العمل لمجال أحبه هو وتفوق فيه، ناهيك عن أعداء النجاح الذين لا ينظرون إلا لمصالحهم الشخصية، وجمود البيروقراطية ذات الأفق الضيق، وروح التقاعس وتفشي الإهمال، في الوقت الذي يفتح له الغرب كل الأبواب وتتلقاه الأيدي المتلهفة لتفوقه ونبوغه ليترك وطنه الذي أهمله ليقيم في بلدٍ أجنبيةٍ احتضنته، فيحقق فيها كل ما كان يصبو ويتطلع إليه ويتبوأ أعلى المراكز العلمية هناك.

إن مجموعة متكاملة من هؤلاء النابغين كفيلة -إن شاء الله تعالى- لو تبوأت مكانها اللائق بها في مصر، وتمنح كل الصلاحيات أن تغير وجه الحياة العلمية والإدارية والتنموية في بلادنا.

أن منطقتنا العربية من أكثر مناطق العالم الثالث معاناة بسبب هجرة عقولها العلمية، فالموارد والثروات كثيرة ومتنوعة، والثروة البشرية متوفرة، ولكن بلادنا كانت لعشرات السنين وما زالت مناطق طرد للكفاءات، بينما الغرب مناطق جذب مغرية لها، بل لا تمانع الدول الغربية في منح جنسياتها لهذه الكفاءات لتقيم عندها إقامة كاملة دائمة!

إن 70 % من هذه الكفاءات لا يعودون لوطنهم الأم، وما زال هذا النزيف للعقول والكفاءات في تصاعد مستمر، وازدياد متواصل، بصورة يصعب إيقافها، بل ولا توجد بوادر أمل في ذلك! ولعل أكبر دليل على ذلك ما نراه ونعيشه مِن تعتيم إعلامي كبير على هذه القضية، وتجاهل المسئولين لها تجاهلًا تامًّا، فلا توجد إحصائيات ولا بيانات، ولا حصر لهذه الكفاءات المهاجرة، ولا توجد أي إجراءات جادة وفعالة وبناءة من أجل استعادتها رغم شدة الحاجة إليها، فمن يتحمل مسئولية ذلك؟ لعل الإجابة تتضح فيما سنعرضه هنا.

عوامل طرد ودفع الكفاءات العلمية من بلادنا إلى الخارج:

وهي عوامل كثيرة تدفع العقول النابغة والكفاءات العلمية إلى السفر إلى الخارج حيث قوى الجذب المتعددة من التقدم العلمي والتخصصات المتنوعة، والتشجيع والتبني لها على اختلافها.

ومن أهم تلك العوامل وأبرزها:

الأسباب الاقتصادية:

(يمكننا القول: إن الأسباب الاقتصادية هي في مقدمة الأسباب التي تدفع العقول العربية للخروج من أوطانهم إلى الدول المتقدمة، إن العيون البصيرة حين تتفحص الواقع الاقتصادي في الوطن العربي تستطيع أن تدرك الفجوة الهائلة القائمة بين الأعداد المتزايدة من الخريجين وبين الأماكن التي تستطيع استيعابهم، وفضلًا عن أن هذا يعتبر مؤشرًا خطيرًا للفشل الذريع الذي تتخبط فيه خطط التنمية العربية، فإنه في حد ذاته يعكس الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعني عدم قدرة النظم الاقتصادية العربية وعجزها عن تقديم المستويات التي تليق بالكفاءات العربية؛ بما يؤدي إلى دفع هذه الكفاءات للخروج من أوطانهم الأصلية، والبحث عن أوطان أخرى والهجرة إليها) (راجع: "نزيف الأدمغة: هجرة العقول العربية إلى الدول التكنولوجية" د. عطوف محمود ياسين، دار الأندلس بيوت لبنان، ط. أولى 1984 م - 1404 هـ، ص 43 بتصرف) .

وهذا الغياب للتخطيط العلمي الصحيح وهذه المساوئ للسياسات الاقتصادية أدت إلى المعاناة من:

أ- قلة الدخل المادي: فلا تجد الكفاءات العلمية والفنية الأجور التي تكفي للحد الأدنى من الشعور بالاستقرار النفسي، والقدرة على التفرغ للإنتاج والبحث العلمي، كما أن غلاء الأسعار بسرعة كبيرة وارتفاع نفقات الحياة لا يقابلها ارتفاع في الدخل يتناسب معها إن وجد، وهذا مما يزيد من المعاناة مع مرور الوقت فلا يبدو للمشكلة بوادر حل.

إن مِن (المؤسف ألا تكون كفاءة الإنسان ومؤهلاته هي المقياس عند التعيين أو الترقية أو تحديد الراتب والأجور)، إن (الدول ذات النظم الاقتصادية الراسخة تضع مسبقًا الجداول الخاصة بالأجور، مع اتساق دقيق لارتفاع الأسعار طبقًا لدراسات إحصائية تنبؤية للعرض والطلب، والسلع والأسواق، والتحركات الاقتصادية من صعود وهبوط، بينما تميل معظم النظم العربية إلى تجاهل هذه الاعتبارات طالما أن مصالح الطبقة العليا مضمونة بالمليارات والملايين. أما مشكلات الإنتاج وسوء توزيع الثروة وتكديسها والاحتكارات والتكتلات فهي الإطارات التي تزيد قلة الدخل المادي سوءًا على سوءٍ، وتجعل منه دافعًا للهجرة في عصر لم يعد للأوراق النقدية فيه أية قيمة أمام موجات الغلاء الفادحة وانهيار القيمة الشرائية للنقد) (المصدر السابق، ص 44) .

الصفحة التالية