الفساد (43) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (1-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ب- ازدياد التخلف الاقتصادي: فالتخلف الاقتصادي بمظاهره وأشكاله المتعددة يزيد من التضخم والحرمان، فلا تجد الدولة الإمكانيات المادية الكفيلة بالإنفاق على مشاريع التنمية الاقتصادية، والتي منها -أو يجب أن يكون في مقدمتها- إقامة مؤسسات البحث العلمي الجيدة الإعداد والتجهيز.
إن العالم في بلادنا محروم من الأجهزة والمعدات، والأدوات التكنولوجية الحديثة المتقدمة، بينما علماء الغرب والشرق بين أيديهم مئات الآلاف من الأجهزة والأدوات والوسائل الحديثة المتقدمة والمختبرات المهيأة لاستقبال وتفجير طاقات العلماء، وإخراج ما فيها من إبداعٍ وابتكارٍ (ومع الازدياد الأفقي في عدد الخريجين من المدارس والجامعات وبقاء الأوضاع الاقتصادية متخلفة، فإن إمكانية الاستفادة من الكفاءات العلمية تتضاءل مما يدفع بالأعداد الكبيرة منها للتفكير في ترك أوطانها الأصلية) (المصدر السابق، ص 45) .
ج- افتقاد التخطيط السليم: فرغم وجود وزارة وهيئات رسمية للتخطيط، فإن التخطيط في بلادنا أشبه بمادة إعلامية دعائية أكثر من كونها حقيقة لها وزنها ونتائجها، والدلائل على انعدام وجود التخطيط العلمي السليم بمفهومه المعاصر تتمثل فيما نعيشه من تخلف اقتصادي وتردي في إقامة مشروعات التنمية وغلاء المعيشة، وانهيار القيمة النقدية للعملة الوطنية.
د- غياب الأيديولوجية الاقتصادية الواضحة: إن بلادنا سوق استهلاكية للدول الكبرى ليس له هوية اقتصادية بالمعنى العلمي، فتفتقد بلادنا مبادئ الحرية الفردية والتنافسية والديمقراطية السياسية التي تقوم عليها الرأسمالية، ولم تستطع أن تقيم بناءً اقتصاديًّا اشتراكيًّا موجهًا قويًّا، وإنما هي خليط يتأرجح بينهما يجمع مساوئهما ويفتقد إيجابياتهما، (فلم يأخذ صورة متبلورة في نظمه الاقتصادية، فهو مزيج من الإقطاع الزراعي إلى الرأسمالية الإعلامية إلى اشتراكية الشعارات إلى حالات الفصام الاجتماعي، والعصاب السياسي، والذهان الفكري بكل ما تحمله هذه الاختلالات من أعراض مرضية واحدة) (المصدر السابق، ص 43) .
وغياب الأيديولوجية الاقتصادية هو السبب في:
- عدم قدرة الدولة على التحكم في الأسعار.
- عدم وجود حد أدنى للدخل يحفظ كرامة المواطن.
- عدم وجود توزيع عادل لثروات البلاد.
- عدم وجود خطط تنموية هادفة (المصدر السابق، ص 48) .
الأسباب السياسية:
إن قضية حقوق الإنسان العربي في بلادنا مشكلة متعددة الأبعاد، ويأتي في مقدمتها حقوق ذوي الكفاءات في المساهمة في اتخاذ القرارات وممارسة الحريات العامة، (ففي الأغلبية الساحقة من الدول العربية يمكن مصادرة حريات الإنسان بأية لحظة وفي أي مكان، وبسبب وبدون سبب وبدون سابق إنذار أو تبليغ، وإلحاق التهم بمجرد استماع الشائعات المغرضة عنه، ويمكن أن يزج به في غياهب السجون، وتسلط على جسده أنواع التعذيب قبل أن تثبت إدانته، وفي مقدمة هؤلاء الناس العقول والخبرات العربية)، إن هناك مئات وآلاف من الكفاءات والعقول (كانوا ضحايا الواقع السياسي الذي يرتدي الشعارات والثياب الدستورية، ويغتال من ورائها كافة الحقوق الإنسانية، وكان منهم المدنيون والخبراء العسكريون الذين سُرِّحوا وشُردوا)، (وتعتبر الصيحات الغاضبة التي أطلقها أعضاء مؤتمرات المحامين العرب، والحقوقيون العرب، ونقابات الأطباء، ومؤتمرات الأدباء العرب، والمظلومون الذين ذهبوا بصمتٍ وتعتيم إعلامي دلائل واضحة كالشمس على أن الواقع السياسي في الوطن العربي أصبح عاملًا دافعًا لذوي الكفاءات للرحيل عن أوطانهم إلى بلاد أخرى!) (المصدر السابق، ص 49، 50 بتصرفٍ) .
إن تردي الأحوال السياسية يعود بالضرر على أصحاب الكفاءات والخبرات من خلال:
- مصادرة الكلمة كتابة ولفظًا، أو على الأقل محاصرتها، والضغط على أنفاس أصحابها؛ أي: فقد الإنسان لحرية التعبير عن رأيه في وطنه، ولهذا تأثيره على استقرار الإنسان النفسي، وعلى مُثله وقيمه ومفاهيمه.
- انعكاس عدم الاستقرار السياسي على الأوضاع الاقتصادية؛ مما يتسبب في اضطراب وتدهور الإنتاج، وزيادة البطالة، ولهذا تأثيره السلبي على الجميع.
- سيطرة فئة معينة على الحكم بعد خروج الاستعمار العسكري في معظم الدول التي نالت استقلالها واعتمادها على الأعوان من أصحاب الولاء لا الكفاءة، وبالتالي معاداتها للمثقفين والكفاءات، وممارسة الإرهاب الفكري والكبت السياسي ضدهم، وتوجيه الإعلام للتشكيك فيهم لعزلهم جماهيريًّا بعد عزلهم اجتماعيًّا.
- انعدام التقدير للكفاءات العلمية، وتقديم الفئات غير المؤهلة على العلماء والمثقفين، وفي ظل الاختلال في المعايير تطبق اللوائح والقوانين على فئات وتستثنى فئات، فيعيش المثقف أو العالم بدون تكريم لا يطمئن على حاضره ومستقبله، وينعكس ذلك على مكانته الاجتماعية وأحواله المعيشية.
- تشكك الحكومات وتخوفها من الكفاءات العائدة للوطن من الخارج بعد تخصصها في البلاد المتقدمة؛ إذ تسيطر نظرة الشك من النظم المستبدة أو المتسلطة تجاه هؤلاء العائدين خشية ما قد يحملونه من أفكار من بلاد متقدمة غرست فيهم الإحساس بكرامة الإنسان وحقوقه وكيانه، وهذا يقلق هذه النظم ويجعلها في حالة تربص بتلك الكفاءات.
وهكذا ينتهي مصير الكفاءات إلى ثلاث نوعيات لا يستفاد منها، فهي:
- إما تعيش في الوطن بعد دراستها وتخرجها ولا عمل لها.
- وإما عائدة للوطن بعد استكمال تخصصها في الخارج، وتعد عبئًا على السلطة لا تستفيد منها، بل تتربص بها.
- وإما تاركة للوطن إلى غيره حيث الأمان والتقدير، والعمل والإنجاز (راجع المصدر السابق، ص 50 - 52) .
وقد أُجريت دراسة في 22 ولاية أمريكية في بداية السبعينيات عن أسباب هجرة الكفاءات، فكشفت:
- أن 85% منهم ذكروا أن سبب هجرتهم: تمييز الأجنبي عليهم في أوطانهم الأم.
- أن 83% منهم اشتكوا من انخفاض مستوى حرية الرأي.
- أن 55 % منهم اشتكوا من سوء المعاملة في الوظيفة والعلاقة مع الرؤساء في العمل.
- أن 25 % منهم اشتكوا من انخفاض مستوى المعيشة.