شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات مع قصة جرة الذهب (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة*:

- في عالم المؤمنين على مرِّ الزمان، نماذج راقية في الإيمان والتقوى والورع، حتى يصل حالها إلى أن يتدافع أصحابها المال، ولا يحرصون عليه؛ خشية أن يكون حرامًا: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ الَّذِي شَرَى الْأَرْضَ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ، وَمَا فِيهَا، قَالَ: فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) (متفق عليه) .

- صورة فريدة وعجيبة مِن الأمانة؛ وإلا فالمعهود بين الناس أن يختصم مثل هذين للحصول على الذهب؛ لأن حب المال مغروس في النفوس البشرية: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: " ... لقد رأيتنا يكثر تمارينا ومنازعتنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- أيهما أكثر أمانة" ، ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (العاديات:8) ، ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14) .

(1) فتنة المال:

- لقد حمل حب المال الناس على التحاسد والتباغض، والكبر والحرص، واستحلال المحرمات: ( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ) (الكهف:35) ، ( أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ) (الكهف:34) ، ( فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ . أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ . فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ . أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) (القلم:21-24) ، ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (القصص:77-78) (1) .

- بل أفسد حب المال كثيرًا من العباد والمنتسبين إلى العلم والدين: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) (التوبة:34) .

(2) فضل الورع في الدين:

- لا شك أن هذين الرجلين صالحين تقيين، والصلاح والتقوى يجلبان الورع الذي يثمر الزهد: قال ابن القيم -رحمه الله-: "الورع: ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" (مدارك السالكين).

- وللورع أقسام ثلاثة:

الأول: واجب، وهو الكف عن المحرمات، وهو في مقدور الناس جميعًا (2) : قال الله -تعالى-: ( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (الحشر:7) .

الثاني: مستحب، وهو الامتناع عن الشبهات، وهذا لا يقدر عليه إلا القليل (3) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ... ) (متفق عليه) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْقِيهَا ) (متفق عليه) ، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كانَ لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضى الله عنه- غُلامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَراجَ، وكانَ أَبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هَذا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ومَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ في الجاهِلِيَّةِ، ومَا أُحْسِن الكَهَانَةَ إِلا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيني، فَأَعْطَاني بِذلكَ هَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَه، فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ فِي بَطْنِهِ" (رواه البخاري) .

الثالث: من قبيل الإحسان: وهو الكف عن كثيرٍ مِن المباحات، طلبًا لما هو خير منها في الآخرة، وهذا لا يقدر عليه إلا قليل: ( قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى ) (النساء:77) ، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية