وقفات مع قصة جرة الذهب (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا شَبعَ آلُ مُحمَّدٍ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ" (رواه مسلم) ، وعن حفضة بنت عمر -رضي الله عنها- أنها دخلت على أبيها عمر -رضي الله عنه- وقد رأت ما هو فيه من شدة العيش وخشونته! فقالت: "إن الله أكثر من الخير، وأوسع عليك من الرزق، فلو أكلت طعامًا أطيب من ذلك، ولبست ثيابًا ألين من ثوبك؟ قال: سأخصمك إلى نفسك، فذكر أمر رسول الله وما كان يلقى من شدة العيش، فلم يزل يذكرها ما كان فيه رسول الله، وكانت معه حتى أبكاها، ثم قال: إنه كان لي صاحبان سلكا طريقًا، فإن سلكت طريقًا غير طريقهما سلك بي غير طريقهما، إني والله سأصبر على عيشهما الشديد لعلي أن أدرك معهما عيشهما الرَّخِيّ" (طبقات ابن سعد 3 / 277) .
وعن البراء بن معرور قال: مرض عمر-رضي الله عنه- يومًا فوصفوا له العسل كدواء، وكان بيت المال به عسلًا جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداوَ عمر بالعسل كما نصحه الأطباء، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذن الناس: "إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرم"، فبكى الناس إشفاقًا عليه، وأذنوا له جميعًا، ومضى بعضهم يقول لبعض: "لله درك يا عمر، لقد أتعبت الخلفاء بعدك" (الطبقات الكبرى، لابن سعد) .
وقال الأوزاعي -رحمه الله-: "كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يقتدى بنا، خشيت ألا يسعنا التبسم!".
وقال الحسن -رحمه الله-: "ما زالت التقوى بالمتقين؛ حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام" (جامع العلوم والحِكم لابن رجب الحنبلي) .
(3) الجزاء من جنس العمل:
- إذا كان أمر الرجلين عجبًا، فإن قضاء القاضي كان أعجب وأغرب: ففي الحديث: ( فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ) (4) .
- المصاهرة بين الأخيار تقوي رباط الإيمان بين الصالحين، والزوجان الصالحان يكونان أسرة صالحة، ويرجى أن ينجبا ذرية صالحة: قال -تعالى-: ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ) (الأعراف:58) ، ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ) (الطور:21) ، وفي قصة أم سليم مع أبي طلحة -رضي الله عنهما- لما مات ولدهما الصغير: " ... فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلْحةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيْم وَهِيَ أُمُّ الصَّبيِّ: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فرغَ قَالَتْ: وارُوا الصَّبيَّ، فَلَمَّا أَصْبحَ أَبُو طَلْحَة أَتَى رسولَ اللَّه، فَأَخْبرهُ، فَقَالَ: ( أَعرَّسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟ ) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ( اللَّهمَّ باركْ لَهُما ) فَولَدتْ غُلامًا... "، قال ابن عيينة: فَقَالَ رجُلٌ منَ الأَنْصارِ: "فَرَأَيْتُ تَسعة أَوْلادٍ، كلُّهُمْ قدْ قَرؤُوا الْقُرْآنَ، يعْنِي مِنْ أَوْلادِ عَبْدِ اللَّه الْموْلُود" (رواه البخاري) .
- فائدة في الختام: حكم المال المدفون:
- المال المدفون: إما لقطة، وإما ركاز، وإما غير معين، لا يعرف له وصف من الوصفين السابقين، فهو في حكم المال الضائع، فيعود إلى بيت المال.
- أما اللقطة: فعن خالد الجهني قال: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لقطة الذهب أو الورق؟ فقال: ( اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إلَيْهِ ) (رواه مسلم) .
- وأما الركاز: فهو ما وجد من دفائن الجاهلية، ذهبًا أو فضة أو غيرها مما عليه علامة الكفر، فيجب فيه الخمس في قليله وكثيره، ولا يشترط له الحول ولا النصاب؛ لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ ) (متفق عليه) .
والحمد لله رب العالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الغرض مِن الموعظة: الوقوف على بعض الفوائد من هذه القصة التي تحكي لنا صورة راقية من الإيمان والتقوى، وعظيم الورع.
(1) ولقد رأينا صور الاستعمار والاحتلال مِن أممٍ لغيرها على مرِّ الزمان؛ بسبب المال، كما في الصراع على منطقة الشرق الأوسط الغنية بالبترول.
(2) كأكل الميتة، والربا، والخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولبس الحرير والذهب للرجال، والسرقة، والغش، والكذب، ونحو ذلك.
(3) كالمختلف في حله وحرمته، أو حرمته وكراهيته.
(4) جزم القرطبي بأن القاضي لم يصدر عليهما حكمًا، وإنما أشار عليهما بذلك صلحًا؛ لأن المال له حكم المال الضائع، وهو النوع الثالث.