الفساد (44) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (2-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(إن العلم والتخصص هما مقياسا الحضارة لأي مجتمع ناهض. والمهاجر يستفيد من البلاد المتقدمة التي يهاجر إليها؛ لأن إمكانيات البحث العلمي والتقدم التكنولوجي متوفرة، وإن اشتراك المهاجرين وبالذات - الخبراء منهم في بحوث علمية رائدة يعني إثراء حصيلة المعرفية الإنسانية، وكثيرون ممن شاركوا في هذه المشاريع عادوا إلى أوطانهم بمهارات قيادية وخبرات فريدة من نوعها، وتأتي الفائدة لأوطانهم عن طريق المعارف العلمية المتقدمة والمهارات الفنية الجديدة التي يعود بها المهاجرون، أو عن طريق توفير إمكانية استفادة الدول المتخلفة من نتائج البحث العلمي التي تتوصل إليها الدول التكنولوجية المتقدمة في بلادها، وفي كل يوم عشرات البحوث عن الطاقة الشمسية، ومئات الدراسات حول استخدام الذرة في الطب والزراعة وتصفية مياه البحر وتسيير المحركات وتغيير البيئة وضبط التلوث وغيرها من مئات الموضوعات الحديثة المعاصرة لصالح الإنسان وإنقاذه وتحريره وإسعاده وسلامته من الهلاك والدمار) (المصدر السابق، ص 101) .
(وتتفاوت الدول في السماح بهجرة أبنائها للتخصص وطلب العلم والمعرفة، فالدول التي تهمها قضية البناء الحضاري لشعوبها ترسل أعدادا كبيرة من أبنائها للتخصص في كل مكان)، (وهناك من الدول من تضع القيود والعوائق في وجه شبابها للسفر من أجل العلم والمعرفة والتخصص، وهذا الضغط لا يولد سوى الهروب والنفور، ومن الدول من تستقطب خبرات العالم إليها، كما فعلت إسرائيل التي دخل إليها بين عام (1948م - 1980م) ما يزيد عن مليونين من أوروبا وأمريكا من خيرة المهندسين والأطباء والعلماء والأخصائيين، وكان أخطر هذه العناصر 75000 عالم وخبير من أبرز المهندسين والطيارين والجراحين من الاتحاد السوفيتي.
وفي الوقت ذاته أي بين عام (1948م - 1980م) هجر البلاد العربية ما يزيد عن المليونين من خيرة أبنائها الأطباء والمهندسين والخبراء كمهاجرين إلى الولايات المتحدة وأوروبا واستراليا، وذلك عكس ما تفعله إسرائيل) (المصدر السابق، ص 102 بتصرف) .
2- تنمية الروابط والعلاقات مع الغرب:
فالهجرة إلى الدول الغربية قد تكون عاملًا مفيدًا له دوره في التفاعل مع لشعوبها وإقامة جسور للتعاون والصداقة، فالمهاجر يجد في البلد الجديدة المجال لتعميق التفاعل بينه وبين الآخرين، ويرتبط بأواصر صداقة والتعاون مع غيره، هذا على نطاق الأفراد، وكذلك على نطاق الجماعات والمؤسسات، بل قد تتكتل الأقليات حول برنامج سياسي أو اقتصادي له تأثيره الداعم الذي يخدم توجهات السياسة العامة للوطن الأم، وهذا منتشر في كثير من الجاليات والأقليات في المجتمعات الغربية وأمريكا، وأشهر مثال على ذلك هو ما يفعله اليهود في أمريكا وأوروبا من التكتل حول المنظمات الصهيونية التي أصبح لها كلمة نافذة في الكونجرس والبنتاجون (وزارة الدفاع في أمريكا)، ولها تأثيرها الفعال انتخابات الرئاسة، وفي أمور السياسة الأمريكية العليا، وتستخدم ذلك علانية وبقوة في دعم دولة إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى منع تقديم العون والمساعدات إلى الدول العربية من أجل تكريس التخلف والتأخر وفرضه على هذه الدول.
وهي تؤدي هذا الدور للأسف بنجاح لا ينكر طوال العقود الطويلة الماضية والتي لولاها ما قامت واستمرت دولة إسرائيل اللقيطة في منطقتنا العربية، وللأسف فما زالت الجاليات العربية في أمريكا وأوروبا الغربية عاجزة وبعيدة كل البعد عن الوصول لهذه الدرجة من التكتل والتأثير (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 101) .
(ولعل من الضروري أن نذكر أن إسرائيل هي عضو شرف في حلف الأطلنطي واليونيسكو والمنظمات الدولية الثمانية التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وعلى ذلك تتبادل البعثات الدراسية والعسكرية مع ما يزيد على 80 دولة فيها 400 جامعة وأكاديمية عن طريق برامج التبادل الثقافي والعسكري، ومعظم هذا التبادل يتم مجانًا على شكل منح دراسية بضغوط من الدول الكبرى، وتذهب الملايين من أموالنا على بعثات لا يعود منها إلى أوطاننا بالخير إلا القليل) (راجع المصدر السابق، ص 102 بتصرف) .
3- تحويلات العاملين والمقيمين في الخارج:
مما تنتفع به البلاد من جراء الذهاب للعمل والإقامة في الدول الأجنبية ما يعود للدولة من العائد المادي الذي يتولد من خلال التحويلات المالية التي يقوم بتحويلها الذين يعملون أو يقيمون بالخارج إلى عائلاتهم وأهاليهم وأقربائهم، والتي تبلغ المليارات من الدولارات سنويًّا، وما قد يستثمرون به أموالهم داخل البلاد من بعض الاستثمارات الداخلية، أو ما قد ينشطون به حركة الشراء والتعاملات المالية داخل البلاد.
4- حل جزئي مؤقت لمشكلة البطالة:
تشهد دول العالم الثالث نسبة عالية من البطالة مع عدم القدرة على معالجة هذه المشكلة المزمنة، خاصة البطالة المقنعة المتمثلة في العاملين فكافة قطاعات الإنتاج، ويرى بعض الاقتصاديين وعلماء الاجتماع أن هجرة الشباب -على خطورتها- هي حل جزئي ومؤقت لهذه القضية.
والنظرة الجادة لهذا الأمر تؤكد أن هجرة الشباب لا تعد -أو ينبغي ألا تعد- صورة من صور حل مشكلة البطالة في بلادنا للاعتبارات الآتية:
أ- أن هذه الهجرة مهما اتسعت، فلن تكون بالسرعة والأعداد الكبيرة الكفيلة بحل مشكلة البطالة -كليًّا أو جزئيًّا-؛ خاصة وأن الدول المتقدمة تراجع سياساتها في هذا الشأن مِن وقتٍ لآخر، وهي لا تقبل إلا مَن يملأون فراغًا علميًّا أو إنتاجيًّا عندهم، ومَن يتصفون بذلك من أصحاب الكفاءات والمهارات ليسوا عندنا بالكثير.