شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مَن للأقصى اليوم... ؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -سبحانه وتعالى- حكم عدل، لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال -عز وجل-: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) (الشورى:30)، وقال -تعالى-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:165) .

وقال -عز وجل- للمؤمنين لمَّا أصابهم ما أصابهم يوم "أُحد" -وكان فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة المبشرون بالجنة -رضي الله عنهم-، وكان فيهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار- لمَّا وُجدت طائفة منهم تريد الدنيا: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ) (آل عمران:152) ، فإذا كان وجود طائفة تريد الدنيا في جيش فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام، فما الذي يُظن بوجود مَن لا يريد إلا الدنيا، وما يريد شيئًا مِن الآخرة؟! وأهل إرادة الآخرة ما أضعف إرادتهم لها، وما أقل عملهم مِن أجلها، نسأل الله -عز وجل- العفو والعافية.

حكمه -سبحانه وتعالى- عدل على ما أصابنا، وإن كنا نسأله -تعالى- أن يجعله خيرًا لنا، وإن الإيمان لهو ذلك المحوِّل الذي يُحول الشرَّ الذي يصيب المؤمن والضراء إلى خيرٍ؛ فيجعل الله -عز وجل- هذا الشر خيرًا له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ) (رواه مسلم) .

والله -سبحانه وتعالى- ما سلَّط علينا عدونا إلا بسببٍ منا؛ وهذا يقتضي إذا أردنا حقًا أن نغير هذا الواقع؛ فليس بالشعارات ولا بالهتافات، فإن ذلك إنما هو تفريغ شحنة في النفس لا يغير شيئًا؛ خصوصًا إذا صدر ممَن يصر على معصية الله -سبحانه وتعالى-؛ كأن هذا الأمر هو المطلوب يظن القائم به أنه قد أدى ما عليه، لا والله، إن علينا واجبًا كبيرًا لابد أن نؤديه إذا أردنا أن نغير هذا الواقع، أن نغير تلك الأسباب، واجبنا أن نغير هذا الذي بنا؛ فيغير الله -عز وجل- ما بنا، فهو سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

فهذا الواقع وإن كان واقعًا أليمًا موروثًا، وُلِدْنا وقد وُجد؛ إلا أننا علينا دور في تغييره، فمنذ أكثر من 80 سنة قد دخلت جنود الكفار إلى بيت المقدس، وإلى دمشق وإلى الشام كله؛ بل وإلى كل ديار المسلمين بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ودخلت جيوش الحلفاء إلى بيت المقدس في 1917 من الميلاد، وفي تلك السنة وقف اللورد اللمبي على قبر صلاح الدين يقول له: "ها قد عدنا يا صلاح الدين!" ولا حول ولا قوة إلا بالله! واقع أليم.

وفي نفس السَّنة أُعطيت الوعود -وعد بلفور- بعد أن حاولوا قبل ذلك أن يشتروا فلسطين من السلطان عبد الحميد؛ فأبى -رحمه الله وغفر له- أن يأذن لهم في مجرد الشراء في أرض فلسطين، ولكن كانت عدتهم أن يهزموا هذه الدولة المريضة.

والحقيقة: أن هزيمتها كانت قبل ذلك بقرنين من الزمان، كانت أسباب الهزيمة في فساد العقيدة التي قد انتشرت، في مظاهر الشرك والبدع، ومظاهر التقليد الأعمى، ومظاهر غياب الشخصية المسلمة من عقيدة صحيحة وعبادة سليمة، ومعاملات في الحلال وترك للحرام، وحكم بشرع الله -سبحانه وتعالى- وأخلاق سوية في الأفراد وفي الأمة كذلك، فتراكمت هذه الأحداث حتى أدت إلى هذه الهزيمة، وأدت إلى دخول الكفار بيت المقدس فمهدوا لليهود.

ما نراه اليوم وإن كان اليهود قد أفلحوا منذ بدأ الصراع معهم في أن يجعلوا الإسلام خارج المعركة، وأن ترفع الشعارات الباطلة من قومية ووطنية وغيرها، وأدى ذلك إلى الهزائم المتتالية في كل مرة من المرات، وهذا الذي جعلهم حين دخلوا بيت المقدس سنة 1967 منذ أكثر من 53 سنة لم يزيلوا المسجد، كما فعل الصليبيون يوم دخلوا القدس؛ فرفعوا الصليب على قبة الصخرة، وجعلوا المسجد مكانًا لحيواناتهم، ومنعوا الصلاة فيه أكثر من 80 عامًا، فضلًا عن قتلهم كل مَن في بيت المقدس مِن المسلمين، سبحان الله! ما فعل اليهود ذلك في تلك المعركة التي أخذوا فيها بيت المقدس؛ لأنهم يريدون أن يظل الإسلام خارج المعركة، ونجحوا نجاحًا كبيرًا، لكن -بإذن الله تبارك وتعالى- لن يدوم هذا النجاح؛ لأننا نقول لابد أن نغير ما بأنفسنا فيغير الله -عز وجل- ما بنا.

ولابد أن نعلم أن الإسلام هو الكفة الراجحة في هذه المعركة، لا يمكن أن ننتصر بغيره، ولا يمكن أن يظهر على الأعداء اليهود إلا المؤمنون، لا يمكن أن يظهر على أعداء الله إلا مَن رجا لقاء الله -سبحانه وتعالى-، ونحن لا نحاربه بكثرة عدد ولا عدة، بل كما وصف الله -سبحانه-: ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) ، فلابد أن يكون ولاؤنا لهذا الدين، وبراؤنا من أعدائه أيًّا مَن كانوا.

ما حصل لنا ما حصل إلا يوم أن رفعت المناهج التي تترك دين الله -سبحانه وتعالى- وتخالف كتابه فوق رؤوس الناس، وشربها الكبار والصغار جميعًا عبر السنين والأجيال؛ أدت هذه المناهج إلى أن يُترك كلام ربنا صراحةً ويعتقد الناس خلافه كذلك.

الله -عز وجل- يقول: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة:82) ، ودخل فيهم بلا شك مَن يواليهم مِن النصارى ويعينهم أفظع معاونة وأشدها فجورًا علانية أمام الناس؛ لذلك هم دخلوا في الذين أشركوا بلا شك؛ لأنهم مِن الذين قالوا: "إن الله ثالث ثلاثة"، ومِن الذين قالوا: "إن الله هو المسيح ابن مريم".

الصفحة التالية