شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مَن للأقصى اليوم... ؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

نقول: إنه يوم أن تُرك ذلك، وأعلن أنه قد زالت العداوة بيننا وبينهم، وأننا وهم أصدقاء وأولياء وحلفاء؛ كل ذلك أدَّى إلى ما نرى؛ يوم أن تُرك منذ سنين طوال -لا أقول هذا الجيل بل أجيال- قول الله -تعالى-: ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة:29) .

نعم ميراث مؤلم ورثناه وولدنا عليه، لكن ماذا صنعنا نحن منذ أن أوجدنا الله -عز وجل- على هذه الأرض؟ كلنا يسأل نفسه هذا السؤال؛ لأنها ثمرة تقصير مُرة عبر قرون وأجيال -نسأل الله العفو والعافية-.

لابد من العودة الصادقة بالفعل، لابد من الإيمان، لابد من تحقيق العبودية، نعم والله إنه لطريق طويل، لكنه لا طريق غيره؛ أما ما قد يظنه البعض من إعلانات وشعارات ويطالبون مثلًا بإعلان الجهاد؛ نذكرهم فقط بيوم سقطت القدس، كيف سقطت في يد اليهود؟ منذ أكثر من خمسين سنة كان هناك إعلان للحرب: "كل الناس سوف تحارب، هنحارب، هنحارب، كل الناس هتحارب"، بل دخلت بعض الدول كالأردن التي كانت تسيطر على بيت المقدس -القدس الشرقية كما يقولون، والقدس كلها إسلامية لا شرقية ولا غربية، كلها للمسلمين، فلسطين كلها إسلامية لا يجوز أن يفرط فيها- فأعلنت الحرب، مع أنها في الحقيقة ليس عندها شيء تحارب به؛ وإنما ليتمكن اليهود من احتلال الضفة الغربية وبيت المقدس، وكانت الموازين كلها تؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك دفاع، بلد ليس عنده جيش، وقادة جيشه من الإنجليز في أوقات طويلة عبر تاريخه، ومع ذلك يدخل حربًا، لماذا لا نعقل التاريخ؟

وقد أعلن أحد الحكام في حربٍ منذ سنوات في العراق، أعلنها جهادًا إسلاميًا؛ فهل صار جهادًا بذلك؟ لذلك نقول: لا نريد مثل هذه الأوهام الكبيرة، ولكن كيف نظل مستسلمين؟ كيف نظل في هذا الذل والخنوع؟

لابد أن نسير على الطريق القويم الذي يبدأ من تغيير حقيقي من داخلنا، ليس من مجرد إعلانات، لكن بأن نتنازل عن حظوظ دنيانا لكي نُقبل على ديننا، ونقبل على آخرتنا، ونحقق صفة العبودية؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- وعد عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالنصر والتمكين ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ) (النور:55) .

فهل حققنا هذه الأوصاف فعلًا؟!

هل حققنا عبودية حب الله -عز وجل- والخوف منه وحده ورجائه وحده؟!

هل حققنا أن نخلص لله -عز وجل- في نياتنا ولا نتنافس إلا في آخرتنا، ولا نتباغض ولا نتحاسد؟!

هل حققنا عبودية الحب في الله والبغض في الله؟!

هل حققنا عبودية الصبر واليقين كما وصف الله -عز وجل-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) ؟!

هل حققنا عبودية طلب العلم حتى نكون على علم بديننا نطبقه بعمل شرعي صحيح، ونسير في طريق التزامنا يومًا بعد يومًا أكثر مما كنا فيه قبل ذلك؟ أم أننا اكتفينا بالإعلان؟

هذا في الملتزمين، وأما باقي رجال ونساء المسلمين فهم بعد يبحثون عن الفيلم والتسلية، والقنوات، والمحمول، والسيارة، ما زال الأمر هكذا حتى رغم ما يظهر بقية من حياة قلوبهم، رغم رفضهم.

ولا شك أننا نحبذ هذا الرفض من الجميع لذلك الواقع الأليم، وللظلم والعدوان، لكننا نقول: هناك واجبات أخرى تبدأ من تلقاء أنفسنا؛ لأن ما أصابنا كان من عند أنفسنا، فلابد أن نغير ما بنا وما بأنفسنا، ليغير الله -عز وجل- ما بنا.

نريد أن نحقق العبودية لله -سبحانه وتعالى- ليتغير ذلك الواقع، لابد من الدعوة إلى الله -عز وجل-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كانت العقبات، ما أكثر العقبات في طريق الالتزام نعم، ولكن لابد أن تتخطى هذه العقبات وتواظب عليه، وتحقق التعاون على البر والتقوى، وأن نكون بالفعل يدًا واحدة في نصرة ديننا، ولا شك أن شعور المسلمين بآلام بعضهم البعض في كل مكان هو من أعظم الدلائل على حياة هذا الجسد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

كم ليلة تركناها من غير قيام ومن غير تضرع ودعاء؟ الله -عز وجل- يصيبنا بأنواع البلايا ليسمع تضرعنا، ومع ذلك فما أقل ذلك، كلنا مشغول بنفسه وبمشاكله الشخصية، وربما لم يصلِّ ركعتين من أجل أن يفرج الله كرب المكروبين المسلمين في كل مكان، هذا والله ربما كان أنفع من الكثير من الشعارات التي نعم أقول هي تدل على خير، لكنها لا يمكن أن تكفي، ولا يمكن أن تكون هي الطريق.

كم منا مَن اغتنم أوقات الإجابة لكي يدعو الله -سبحانه وتعالى- للمستضعفين من المسلمين؟ ولكي يدعو الله -عز وجل- ليقيم فينا أمر الجهاد في سبيله وهو ذروة سنام الدين؟ ولكن أيقوم السنام بلا قوائم؟ أين القوائم؟ الذي يريد أن يعلن السنام قائمًا بلا قواعد، سوف يسقطه في لحظات.

النبي -صلى الله عليه وسلم- شبَّه هذا الدين بالبعير وجعل ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، أتراه يقف بلا قوائم؟ أتراه إن كان مقطع القوائم في مجتمعات المسلمين في كل مظاهر حياتهم أيمكن أن يقوم؟! والإعلانات عنه ماذا تثمر؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية