قصة الذي دخل الجنة بتنحيته الأذى عن الطريق
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- عقد أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- فصلًا في إحياء علوم الدين، عنوانه: "منكرات الشوارع"، أطال فيه، فكان مما قال: "فمِن المنكرات المعتادة فيها: وضع الأسطوانات وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكر إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق واستضرار المارة... وكذلك ربط الدواب على الطريق بحيث يضيق الطريق وينجس المجتازين منكر يجب المنع منه إلا بقدر حاجة النزول والركوب، وهذا لأن الشوارع مشتركة المنفعة وليس لأحد أن يختص بها إلا بقدر الحاجة. والمرعى هو الحاجة التي تراد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات، ومنها: سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزق ثياب الناس فذلك منكر... وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت ويلوث الطريق بالدم فإنه منكر يمنع منه... وكذلك طرح القمامة على جواد الطرق وتبديد قشور البطيخ أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والتعثر؛ كل ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب أو يضيق الطريق... وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه".
- وقال أبو طالب المكي -رحمه الله-: "وكان الورعون لا يشترون شيئًا ممن قعد يبيعه على طريق، وكذلك إخراج الرواشن من البيوت، وتقديم العضايد بين يدي الحوانيت إلى الطريق مكروه" (قوت القلوب 1/ 286) .
- وقال -رحمه الله تعالى- أيضًا: "وَمِمَّا كَرِهَهُ السَّلَفُ طَرْحُ السِّنَّوْرِ وَالدَّابَّةِ عَلَى المَزَابِلِ فِي الطُّرُقَاتِ، فَيَتَأَذَّى المُسْلِمُونَ بِرَوَائِحِ ذَلِكَ، وَكَانَ شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُ إِذَا مَاتَ لَهُمْ سِنَّوْرٌ دَفَنُوهَا فِي دُورِهِمْ، وَمِثْلُهُ إِخْرَاجُ المَيَازِيبِ وَصَبُّهَا إِلَى الطُّرُقَاتِ" (قوت القلوب، 1/ 287) .
- وقال -رحمه الله-: "حُدثت عن أبي بكر المروزي: أن شيخًا كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل -رحمه اللّه- ذا هيبة، فكان أحمد يقبل عليه ويكرمه فبلغه عنه أنه طيَّن حائط داره من خارج، قال: فأعرض عنه في المجلس فاستنكر الشيخ ذلك فقال: يا أبا عبد اللّه هل بلغك عني حدث أحدثته؟ قال: نعم، طينت حائطك من خارج، قال: ولا يجوز؟ قال: لا؛ لأنك قد أخذت من طريق المسلمين أنملة قال: فكيف أصنع؟ قال: إما أن تكشط ما طينته، وإما أن تهدم الحائط وتواخره إلى وراء مقدار أصبع ثم تطينه من خارج قال: فهدم الرجل الحائط وأخّره أصبعًا ثم طينه من خارج، قال: فأقبل عليه أبو عبد اللّه كما كان" (قوت القلوب 1/ 287) .
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "لا يجوز لأحدٍ أن يخرج في طريق المسلمين شيئًا من أجزاء البناء حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط، إلا أن يدخل رب الحائط به بقدر غلظ الجص... ولا يجوز أن يبنى أحد في الطريق دكانًا ولو كان الطريق واسعًا" (مجموع الفتاوى 20/ 10).
(4) خاتمة:
- ماذا لو أقيمت هذه الأحكام في مجتمعاتنا الآن؟: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) .
- الإسلام يحث على ذلك لسعادة الدارين، وليس للدنيا وحدها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ ) (رواه مسلم) .
- لا تغتر بكثرة المخالفين، وعليك بنفسك: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) (المائدة:105) .
والحمد لله رب العالمين.