الفساد (45) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (3-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن الأمور المهمة في قضية هجرة الكفاءات العلمية والفنية من بلادنا إلى البلاد الغربية، والتي يجب ألا نغفلها أو نتجاهلها: ما يواجهه أبناؤنا مِن صعوباتٍ وتحدياتٍ صعبة وخطيرة طوال فترة إقامتهم في الخارج، تهدد سلامة دينهم واحتفاظهم بهويتهم الوطنية، وبالتالي ذوبانهم في المجتمعات الغربية، ثم فقدهم نهائيًّا، وهي خسارة ما بعدها خسارة للمهاجِر نفسه وعائلته، وبالتالي لأمته.
المراد بمصطلح الأقليات:
لم تعرف الحضارة الإسلامية مصطلح الأقلية للتعبير عن غير المسلمين المقيمين في الدولة الإسلامية، بل هم في الإسلام (أهل ذمة) أي: أهل عهد، لهم ما لنا وعليهم ما علينا طالما التزموا بالأحكام الإسلامية التي تعلو الدولة الإسلامية، وإنما ظهر مصطلح الأقلية خلال صراع الدولة العثمانية مع الدول الغربية، حيث استخدم الغرب هذه الأقليات التي تعيش داخل الدولة العثمانية كمخلب قط للتدخل في شئون الدولة العثمانية وإثارة الفتن والمشاكل لتمزيقها وتفتيتها؛ بدعوى حماية هذه الأقليات والحفاظ عليها، وهي ما نجحت فيه بدرجة كبيرة.
ويقصد بالأقليات في العرف الدولي: فئات من رعايا دولة من الدول تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه غالبية رعاياها، ويعتمد عادة في تحديد مفهوم الأقلية الإسلامية المعيار العددي، بحيث إذا زاد عدد المسلمين في دولة من الدول على نصف مجموع السكان تعتبر دولة إسلامية، وبالتالي لها حق الانضمام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، وإذا قل المسلمون عن هذا الحد اعتبروا أقلية (راجع في ذلك: "السفر إلى ديار غير المسلمين: حكمه - أحوال المسلمين هناك"، تأليف أبي سفيان التوحيدي، أيمن بن يوسف - ط الخلفاء الراشدين - الإسكندرية ط. أولى 1430 هـ - 2009 م، ص 83) .
ومن الناحية القانونية: فإن الأقليات الإسلامية على ثلاث فئات، تختلف في أوضاعها الشرعية والقانونية وإمكانية دعمها، وتتضمن:
1- مسلمون هم رعايا لدولة غير إسلامية يعيشون فيها ويحملون جنسيتها، وبالتالي لهم ما لمواطني هذه الدولة من حقوق وواجبات؛ إذ إنهم من مواطني تلك الدولة، وتمثل هذه الفئة أكثر الأقليات الإسلامية، ومن أمثلتهم: مسلمو الصين في الصين، ومسلمو الهند في الهند.
2- مسلمون هم رعايا دولة إسلامية يحملون جنسيتها، ولكن يقيمون في دولة أجنبية غير إسلامية ولا يحملون جنسيتها، فيخضعون لمقتضيات القانون الدولي وأعرافه، ولأحكام القانون المحلي المطبق في الدولة الأجنبية. وهذه الفئة تأتي في الدرجة الثانية من حيث التعداد، مثال: المسلمون من دول منظمة المؤتمر الإسلامي المقيمون في الغرب، مثل: المسلم الماليزي الذي يقيم في أمريكا.
3- مسلمون هم رعايا دولة غير إسلامية ويحملون جنسيتها ويقيمون في دولة أجنبية أخرى غير إسلامية ولا يحملون جنستها، وأعداد هذه الفئة أيضًا كبيرة، وتتضمن مسلمين في دولة غير إسلامية يقيمون في دول لا تنتمي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، مثال: مسلم صيني يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.
أحوال الأقليات الإسلامية في الخارج:
أما عن أحوالهم: (فنجدهم قلة تعيش وسط مجتمع مخالف لهم في أخطر شيء على الإطلاق؛ ألا وهو الدين)، ووسط مجتمع (ليس فيه تعاليم كتعاليم الإسلام العادلة التي تحمي غير المسلم في الدولة الإسلامية فتحرم الظلم والاعتداء عليه، وتضع أحكامًا تحمي وتصون حقوقه، والتاريخ الإسلامي خير دليل على ذلك فلم تنعم الملل غير الإسلامية نصرانية كانت أو يهودية في تاريخها كما تنعمت تحت مظلة الحكم الإسلامي العظيم) (المصدر السابق، ص 90 -91 بتصرفٍ) .
(فالمسلمون مع قلتهم التي تمثل ضعفهم إضافة إلى أنهم يعيشون تحت مظلة أحكام قوم يخالفونهم في أخطر شيء وهو الدين الذي يمثل كل شيء في حياة المسلم فهم يتعرضون للاضطهاد والعنصرية، وطمس هويتهم الإسلامية وفرض الاندماج، بل يتعرضون للأدهى من ذلك الأمر وهو التنصير)، (إضافة إلى الحرب الإعلامية المشبوهة التي غايتها تشويه صورة الإسلام والمسلمين، واستعداء الناس على المسلمين، وجعلهم يبغضون الإسلام)، وآخرها الرسوم المسيئة التي رسموا بها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، (فإن المتتبع لوسائل الإعلام الغربية يلاحِظ مؤشرات خطيرة للعداء المتزايد ضد الإسلام والمسلمين والجاليات الإسلامية هناك، وتركيز هذا الشعور الوهمي بخطورتها استنادًا إلى:
1- الفهم المغلوط لبعض مفكري وكتاب الغرب للإسلام وتعاليمه.
2- تسليط الأضواء على بعض التصرفات الشاذة لبعض المسلمين، ورؤية الإسلام من خلالها.
والأمر المؤسف: أن الإعلام الغربي يروِّج مؤخرًا لهذه الأمور وبصورة مكثفة، ويتوسع في نشرها وإلقاء الضوء عليها، وتمادي بعض مفكري وخبراء وسياسي الغرب في تصنيف الإسلام على أنه الخطر الحقيقي، وأن المسلمين في هذه البلدان يمثِّلون تهديدًا لا يستهان به تجاه حكوماتهم وشعوبهم، وأصبحت مجلات وصحف كبرى في أوروبا تبرز عناوين رئيسية في غاية الإثارة والاستفزاز، وتحذر من قدوم خطر (الراية الخضراء - الإسلام) مثل: (الله يحتل العالم)، (الإسلام يملأ الفراغ بعد انحسار الشيوعية)، (نيران جامحة في الجمهوريات الإسلامية)، وظهرت حرب المصطلحات: المتعصبون - الأصوليون - المتطرفون - النضاليون (الجهاديون) - الإرهابيون - الإحياء والبعث الإسلامي، الخطر الإسلامي، الصحوة الإسلامية، إلخ.
والمسلمون والعرب في ذهن الغربي ما هم إلا موردون للنفط أو راغبون في اللذة، ناشرون للإرهاب، وأدت الصورة الإعلامية المكثفة إلى خلق صورة إعلامية مفادها: أن الإسلام هو الخطر الأخضر بدلًا من الخطر الأحمر الذي مثلته الشيوعية في فترة الحرب الباردة قبل سقوطها، فالإسلام هو السرطان الذي يهدد القيم الغربية، والعدو الطبيعي للغرب، أضف إلى ذلك: الربط بين الإسلام والإرهاب) (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 91 - 93) .
وفوق ذلك فهناك:
1- عدم اعتراف العديد من الدول الغربية بحقوق الأقليات الإسلامية، وفرض القيود على تمثيلها في المجالس النيابية والشعبية مما يحد من تأثيرها.