الفساد (45) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (3-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(إن قضية التعليم التي تواجه الأجيال الجديدة للجاليات الإسلامية في أوروبا تبدو اليوم ملحة، بل إنها تكاد تشكل أزمة بحد ذاتها، فمن يطلع على أوضاع هذه البراعم المسلمة الصغيرة لا بد أن يدرك بكل مرارة وألم الأخطار والمشكلات والصعوبات المحدقة بهم في المجتمع الأوروبي والتي تهددهم، والاحتمال الكبير بأن يجرفهم التيار مع مرور الزمن بعيدًا عن إيمانهم ودينهم، فالمؤسسات التربوية والتعليمية في المجتمع الأوروبي تخضع لتصورات ومفاهيم وقيم صيغت وفقًا لقوالب ثقافية وتربوية كنسية مادية بحيث يمكن أن يتأثر أبناء المسلمين بهذه الثقافة نتيجة حضورهم في مدارسهم مع أترابهم الأوروبيين المواعظ والقداسات الكنسية).
12- (ومن أهم وأخطر التحديات التي تواجه الأقليات المسلمة في بلاد الغرب عدم وجود من يفقههم في دينهم، بل كثير منهم لا يعرف عن دينه إلا اليسير واليسير جدًّا، وفي هذه الحالة كيف يعبد الإنسان المسلم ربه وهو جاهل بأبجديات دينه وعبادة الله -تعالى- قائمة على العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى في سبيل هذه الدعوة) (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 93 - 109) .
13- مشكلة التكيف مع المجتمع الغربي:
(يصاب كثير من المهاجرين الجدد بعدم القدرة على التكيف في مجتمع جديد وحضارة جديدة، فالمعايير والقيم والمفاهيم كلها جديدة، وحتى يتكيف سلوك الإنسان القديم مع عادات جديدة؛ فإنه يعاني عملية احتراق وذوبان وبشكل وصياغة جديدة، والكثيرون ينعزلون ويفضلون الانطواء، وآخرون يندمجون إلى حد الذوبان، وقليلون ينجحون في التكيف دون ذوبان أو انطواء.
إن المجتمعات التكنولوجية منظَّمة والإنسان العربي عمومًا فوضوي، وهي نظيفة وسريعة وتعتمد على العمل المتواصل والجهد والإنتاج، وتقدس العمل اليدوي والفكري، وهذه كلها مفاهيم غريبة على المهاجر الجديد من العالم الثالث وعليه أن يتعلمها بسرعة، والمجتمعات التكنولوجية تحترم كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، ولكنها أيضًا قاسية وشديدة؛ لأنها تلزمه بمسئوليات والتزامات، فلا يوجد حق إلا ويقابله واجب، وهكذا يأخذ السلوك شكلًا صارمًا وجديًّا لا عبث فيه، وللمرح وقته، وللجد وقته.
وفي المجتمعات التكنولوجيا رياضة ومرح وترفيه، وسباحة، وموسيقى، ورحلات، ورقص، وفيها جرائم ومخدرات، وتفكك عائلي، وضياع روحي، وعلى المهاجر الجديد أن يتكيف دون أن ينجرف، وأن يتأقلم دون أن يذوب، والمهاجر سيتعلم بأن لرب العمل فصله بأي لحظة؛ ولهذا فإن القلق النفسي عند الأجانب قائم وعند العرب مضاعف.
إن ثمة حقائق مريرة توضح أن كثيرًا من ذوي الكفاءات قد ذابوا في الولاء للبلاد الأجنبية ونسوا نهائيًّا الوطن الأصلي الذي له حقوقه عليهم، وأن كثيرًا من الطلبة الذين ذهبوا للدراسة استهوتهم النوادي الليلية والحرية الجنسية فضاعت من أيديهم أهداف الدراسة وانتهوا إلى الانتقال من حانة إلى حانة، ومن بار إلى بار.
إن مشكلة التكيف إذًا تعني التأقلم مع البيئة بمزاياها وعيوبها، والقدرة على ضبط النفس والمحافظة على القيم والمثل، والولاء للوطن الأصلي، وتحقيق الهدف العلمي والدراسي أو المادي الذي سافر من أجله الإنسان إلى البلاد الأجنبية، والعودة للخدمة الوطنية) (راجع: "نزيف الأدمغة"، ص 91 - 92) .
14- مشكلة الرقابة المزدوجة:
يشتكي بعض الطلبة في أقسام الدراسات العليا في إنجلترا وأمريكا وأوروبا وكندا مِن رقابة عليهم في دراستهم، (وقد شعروا أن هذه الرقابة ذات طرفين، ويتمثل الطرف الأول من عناصر طلابية تابعة لمباحث ومخابرات البلد الأجنبية المحلية، أما الطرف الثاني للرقابة فيتمثل مِن عناصر تابعة لمباحث ومخابرات بلدهم الأصلي الذي تركوه، وخرجت الأمور إلى مدى أبعد، فحملت إلينا الصحف العربية والأجنبية أنباء باغتيال عناصر وطنية عربية في إنجلترا وألمانيا وأمريكا على يد موظفين وعملاء مدربين لبعض مكاتب المباحث والمخابرات، وضاعف ذلك من قلق ذوي الكفاءات العرب وطلبة الدراسات العليا الذين بدأوا يشعرون بأن ازدواجية المراقبة عليهم قد يعني اتفاقًا رسميًّا بين أجهزة المخابرات المركزي والفيدرالي من جهة، وبين جهاز المخابرات في بلد عربي معين، وأدى ذلك لاندفاع بعض العلماء العرب لتغيير أسمائهم وأديانهم قانونيًّا لضمان حياتهم وبقائهم)، هذا في الوقت التي نجحت مخابرات معادية خاصة الموساد الإسرائيلي بالإغراء أو التهديد والابتزاز في تجنيد بعض هؤلاء المهاجرين والدارسين للتجسس على أوطانهم الأصلية، والقصص في ذلك معروفة مشهورة.
15- انتشار المنظمات الصهيونية وغياب المنظمات العربية:
تؤدي المنظمات الصهيونية -وهي كثيرة العدد ومنتشرة على نطاقٍ واسعٍ- في أمريكا وكندا، وبعض دول أوروبا الغربية أدوارًا رهيبة لدعم القادم اليهودي الجديد إلى البلاد الأجنبية، وتذليل ما يتعرض له من عقبات ومصاعب ووضع الحلول لها، وأدوارًا أخرى في مواجهة النابغين من الكفاءات العربية والمصرية، بينما المنظمات العربية منظمات هزيلة ضعيفة تتصارع طبقًا للدولة التي تقوم بتمويلها من البلاد العربية، وتكاد تكون واجهة دعائية لسلطة التمويل بدلًا من أن تحدد مشكلات المهاجرين العرب الجدد وتعمل على مساعدتهم وأداء خدمات لهم، بل إن من المؤسف أن الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا منقسمة متناحرة ومتصارعة (راجع المصدر السابق، ص 93- 94) .
العداء للمسلمين في دول الشرق:
ولا تظن أن العداء للإسلام قاصرًا على أوروبا الغربية دون دول أوروبا الشرقية ودول الشرق، بل يمتد أيضًا إليها وبصورة لا تقل شراسة، ولعل أوضح مثال على ذلك: ما حدث في البوسنة والهرسك على يد الصربيين لما أراد البوسنيين إظهار هويتهم الإسلامية بعد سقوط يوغسلافيا الشيوعية في فترة التسعينيات، حيث تعرضوا لحرب تطهير عرقي، وجرائم إبادة يندى لها الجبين على مرأى ومسمع من الجميع، وتراخٍ وتباطؤ في وقف ذلك العدوان الوحشي ومنعه؛ إلا بعد أن يؤدي دوره المطلوب! وقل مثل ذلك فيما تعرض له مسلمو الشيشان من عدوان وحشي لا مثيل له على يد الروس، والتي تحولت معه وقتها مدينة جروزني عاصمة الشيشان إلى مدينة أشباح ومقبرة لعشرات الآلاف من القتلى المسلمين.