شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (46) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (4-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن ما ذكرناه فيما سبق عن نوعية وحجم التحديات والصعوبات التي يتعرض لها مَن يهاجر إلى البلاد الغربية أو يقيم بها بما يهدد وبقوة حفاظه على تعاليم دينه الذي نشأ عليه، والقيم والأخلاق والمبادئ التي تربى عليها، وكذلك هويته الوطنية التي يعتز بها، تجعلنا نحتاج أن نعود إلى الخلف عدة خطوات للتطرق إلى نقطة مهمة كان ينبغي أن نبدأ بها الكلام؛ ألا وهي:

هل السفر والإقامة والهجرة إلى بلاد غير المسلمين أمر مسموح به لكل أحد؛ لما قد يعود عليه من المنافع والفوائد أم هو ممنوع؛ لضخامة ما رأيناه من التحديات والمصاعب، وهي فتن غير هينة تهدد دين المرء وانتماءه وهويته؛ خاصة إذا لم يستطع أن يكيف نفسه مع المجتمع الغربي، أو لم يتحمل أن يرى أولاده الذكور والإناث الذين تربوا في هذا المجتمع الغربي وتلقوا فيه تعليمهم وتشربوا منه ما هو شائع فيه، وقد صاروا غرباء بالنسبة إليه؟!

وهذا بالطبع فيمن ما زال يعتني بأمر دينه ووطنه وهويته وهم الكثرة، دون مَن تفلت وانسلخ من دينه وهويته، فأصبح غربيًّا أوروبيًّا في النزعة والهوية، فمثل هؤلاء لا يأبهون بما سنقول، ولا يتألمون مما نتألم منه فهم خارج حساباتنا هنا، وإن تقطعت عليهم قلوبنا أسفًا وحزنًا، وهم في الجملة قلة، وإن كنا لا نستهين بما نفقده أو يضيع منا وإن قل، ونتمنى لو عاد إلى صوابه، ولزم مِن جديد جادة الطريق.

إن العلمانية المادية والنظرة الدنيوية للحياة، وعدم الالتفات إلى الآخرة بسبب التسابق على المال والمناصب والشهوات، هي سمة الحياة الغربية، وإن صُبغت بالتقدم العلمي والتقني!

ومعلوم أن الحضارة من شقين: شق مادي وشق ثقافي، واليوم يستخدم الإنسان في حياته أحدث وأرقى الوسائل والأدوات، ولكنه شاء أم أبى يوجهها في خدمة ما يؤمن به من قيم ومبادئ وأخلاق؛ لذا فالتقدم العلمي سلاح ذو حدين، فإن استخدم التقدم العلمي في الخير والصلاح عاد على البشرية في عاجلها وآجلها بالخير والصلاح، وكانت حضارته حضارة خير ورشاد، وإن استخدم التقدم العلمي في الشر عاد على البشرية في آجلها -ولابد- إلى الفساد والإفساد، سواء نال في العاجل منه خيرًا أو لم ينل.

الحكم الشرعي في الإقامة في غير بلاد المسلمين:

هذه المسألة من المسائل التي تعرض لها المسلمون الأوائل في المدينة بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- إليها، حيث تحتم على كل مَن يسلم وقتها أن يترك مجتمعه الذي يعيش فيه ليهاجر -إن استطاع- إلى مجتمع المدينة الجديد فرارًا بدينه فيسلم مِن أي عداوة أو إكراه، وينعم بممارسة شعائر دينه وتطبيق أحكامه، والمساهمة في تقوية المجتمع المسلم بأمانٍ ويسرٍ.

وبعد فتح مكة وانتشار الإسلام في الجزيرة العربية، ثم خارجها، لم تعد هناك هجرة ملزمة إلى المدينة أو الجزيرة العربية حيث أصبح للإسلام دوله الكثيرة ومجتمعاته العديدة التي يمكن فيها للمسلم إقامة الإسلام وممارسة أحكامه.

واليوم يسافر كثير من المسلمين إلى غير بلاد المسلمين لأمورٍ عديدة: للتعلم والدراسة، أو للتخصص في نوع نادر من العلوم، أو للتجارة استيرادًا أو تصديرًا، أو للعمل والتكسب، أو طلبًا لعلاج لا يوجد في وطنه الأم، أو لاستثمار أموال يمتلكها في مشروعات ونحوها، بل منهم مَن يسافر إلى هناك للدعوة إلى الإسلام من خلال مراكز إسلامية، أو لرعاية بعض الجاليات المسلمة هناك وتقديم الخدمات لهم، أو مِن خلال الالتحاق ببعثات دبلوماسية وقناصل وسفارات، والبعض قد يسافر للسياحة والفرجة وحب الاستطلاع؛ فما ضوابط هذا السفر التي يجب على كل هؤلاء مراعاتها وعدم الخروج عنها؟

ذكر العلماء أن لهذا النوع من السفر شروطه، ومنها:

ألا يخالف هذا السفر الشرع في ذاته، وفي النية المصاحبة له، وأن يكون محتاجًا لهذا السفر ولا بديل عنه في وطنه الأم، وهذا يقتضي أن تكون الإقامة هناك بقدر تلك الحاجة تنتهي بانتهائها.

فإذا احتاج للإقامة هناك، فينبغي:

1- أن يكون عنده من العلم بالدين وقوة الإيمان ما يطمئنه على الثبات على دينه والحذر من الانحراف والزيغ، فقد ذكرنا من قبل كيف أن هناك فهمًا مغلوطًا عن الإسلام منتشر بين الغربيين، وكثير من الأباطيل والافتراءات حول الإسلام، فيها طعن في دين الإسلام وكتابه، ونبيه -صلى الله عليه وسلم-، وتشويه متعمد لتاريخ الإسلام ورجاله؛ مما يوجب على مَن يقيم هناك أن يكون قادرًا على دفع تلك الشبهات، والدفاع عن عقيدته، فلا يتعرض للشك فيها أو التذبذب.

2- أن يكون عنده مِن قوة الدين ما يحميه من الوقوع في الشهوات، حيث يسود الغرب الإباحية وشيوع والمحرمات من زهرة الحياة الدنيا بلا أي قيود أو موانع، وهو خارج بلده لا يخشى ممَن يعرفه فيفضح ستره عند مَن يهمه ألا يفضح عنده، ولن يلومه أحد هناك على ما قد يقترف من المنكرات، بل قد يجد تشجيعًا عليها، فهذه الحياة المعتادة هناك، ومَن لا يمارسها يوصف بالانطوائية وبالانعزالية، وعدم الاندماج في المجتمع، ويطلب له العلاج!

3- أن يكون خلال إقامته هناك متمكنا من إظهار إسلامه، وإقامة أحكامه، فلا يمنع من النطق بالشهادتين، ولا يمنع من إقامة الصلاة والمحافظة عليها بما فيها الجمع والجماعات، ولا يمنع من الصيام الواجب والمستحب إن أراد، ولا يمنع من حج واجب أو عمرة إن أراد واستطاع، ولا تمنع امرأته وبناته من الالتزام بما فرض عليهن من حجاب وزى إسلامي مع القدرة على إبعادهم عن صور الاختلاط الممنوع بالرجال والمصاحبة لهن والخلوة بهن.

معنى إظهار الدين في بلد غير المسلمين:

الصفحة التالية