شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (46) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (4-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

ليس المراد من إظهار الدين حال الإقامة في بلاد غير المسلمين القدرة على القيام بالعبادات من صلاة وصيام فقط -ولو في الخفاء- كما قد يظن الكثيرون، بل تمام الإظهار يكون بإظهار التبرؤ من الكفر وأهله والتصريح بذلك، فلا يكتم إسلامه أو يخفي صلاته وصيامه، ولا يتشبه بمن حوله من الكفار فيما هو من خصائص دينهم، ولا يهادنهم في الكفر فيظهر الموافقة والرضا بما هم عليه من أمور الكفر، ولا يعادي الإسلام والمسلمين من أجلهم أو ينصرهم عليهم، كما يظهر الرفض لكل صور ومظاهر العداء والاستخفاف أو الاستهزاء بدين الإسلام خاصة القرآن الكريم؛ كتاب الله -تعالى-، والنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك سائر شعائر الإسلام وأحكامه المشهورة المعروفة مما يتعرض لها غير المسلمين هناك بما لا يليق، وبالجملة: الامتناع عن كل مظاهر الموالاة الكفرية لغير المسلمين الذين يعيش معهم، ويقيم بينهم.

أما إقامة الطلاب والشبان الصغار فتتطلب أيضًا:

1- مستوى كبير من النضوج العقلي يميز به بين النافع والضار من جهة، ويتطلع به إلى المدى البعيد لا إلى ما يراه حوله مِن زخارف الحياة.

2- عدم الانجراف في تعظيم ومحبة معلميه من غير المسلمين؛ لما يراه من دقة علومهم وعلو همتهم الدنيوية ورفعة علومهم ومرتبتهم، فيوقعه ذلك في تبني آرائهم وأفكارهم، بل ومعتقداتهم دون تمحيص أو مراعاة لحكم الإسلام فيها، أو اتخاذهم قدوة مطلقة له.

3- عدم الانجراف في ملازمة ومحبة الزملاء والأصدقاء من غير المسلمين، فيوقعه ذلك في أن يكتسب من أفعالهم وعاداتهم وسلوكياته ما يخالف دين الإسلام، والاعتياد عليه فيصعب عليه تركه بعد ذلك، كما ينبغي ترك التجاوز في المعاملات مع الفتيات والنساء بالمصاحبة وإقامة العلاقات المباشرة، والمخالطة والخلوة بهن والسكنى معهن في مسكنٍ واحدٍ، فكلها في الإسلام من المحاذير التي قد يؤدي تخطيها والتساهل في مراعاتها إلى آثار مدمرة دينيًّا على سلوكيات المسلم وعلى نظرته لأحكام الإسلام في علاقة المرأة بالأجنبية؛ ففي هذا هلاكه وهو لا يدري.

ومن أخطر الصور في ذلك: ما يقوم به البعض من المسلمين -من الجنسين" الذكور أو الإناث- من قبول الإقامة مع بعض العائلات الأجنبية خلال فترة السفر إلى الخارج؛ خاصة في الإجازات الصيفية بغرض إتقان اللغة الأجنبية، والتوفير في تكاليف الإقامة والسكن هناك، فتتسبب هذا المخالطة التامة لأسابيع أو لشهور في التشرب بقيم وسلوكيات هؤلاء الأجانب وعاداتهم، واستحسانها وتقبلها كلها أو بعضها على ما قد يكون فيها من مخالفات صارخة لأخلاق وقيم وسلوكيات الإسلام الفاضلة.

والأمثلة على خطورة المعايشة الكاملة لغير المسلمين في بلادهم وآثارها المدمرة دينيًّا على شبابنا كثيرة قديمًا وحديثًا، وهي من أقوى أسباب تغريب الشباب فيعودون لأوطانهم بعد ذلك، وقد صاروا من شدة التغريب وتشربهم له يشعرون بالغربة في وطنهم الأم وبين أهاليهم وأقربائهم، ويتمنون لو تغيروا كما تغيروا هم، ومنهم مَن يتحول بالفعل والقول إلى داعٍ من دعاة التغريب داخل الأمة وهو مِن جلدتها!

الحكمة من التشديد في السفر إلى -والإقامة في- غير بلاد المسلمين:

قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: (وأما الإقامة في بلاد الكفار؛ فإن خطرها عظيم على دين المسلم وأخلاقه وسلوكه وآدابه، وقد شاهدنا وغيرنا انحرافًا كبيرًا ممَن أقاموا هناك، فرجعوا بغير ما ذهبوا به؛ رجعوا فساقًا وبعضهم رجع مرتدًا عن دينه وكافرًا به وبسائر الأديان -والعياذ بالله-، حتى صاروا إلى الجحود المطلق والاستهزاء بالدين وأهله السابقين منهم واللاحقين؛ ولهذا كان ينبغي، بل يتعين التحفظ من ذلك ووضع الشروط التي تمنع من الهوى في تلك المهالك) (راجع: شرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين - دار الثريا، ص: 132) .

ومن الأمثلة على ذلك:

طه حسين الذي سافر إلى فرنسا فرجع بغير عقله الذي سافر به، وعمل بعد رجوعه على هدم الثوابت والطعن في الدين والتشكيك في القرآن، إلخ، حتى قال عنه الدكتور محمد محمد حسين: (طه حسين الذي تشهد كتبه بأنه لم يكن إلا بوقًا من أبواق الغرب، وواحدًا من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير، يروج لثقافته ويعظمها) (راجع في ذلك: أعلام وأقزام، د. سيد حسين عفاني، دار ماجد عسيري، ج 1 ص 256) .

وقد ذكر د. نجيب البهيتي تلميذ طه حسين: أنهم حاصروا طه حسين بحصارين: زوجته الفرنسية، وسكرتيره القبطي، وأنه لم يكن يستطيع أن يفلت مِن مهمته، وأن نظرة واحدة إلى كتاب (معك) للسيدة سوزان، يكشف بوضوح عن وجه طه حسين (المصدر السابق، ص255) .

(ومن هنا يتبين الحكمة من تحريم السفر إلى بلاد الكفر والإقامة بها، ويتضح لنا جليًّا أن تحريم السفر إلى بلاد الكفر هو لمصلحة المسلم من الحفاظ عليه وحمايته، من الفتن المتلاطمة في هذه البلاد -من فتن دينية عقدية أو مادية أو جنسية- خشية الوقوع فيها؛ نظرًا لانتشارها وسهولة فعلها، وأيضًا: لكثرة الأعمال المحرمة، بل التي تعد من الكبائر؛ إضافة إلى الاضطهاد الديني ضد المسلمين خاصة) (انظر: السفر إلى ديار غير المسلمين، أبو سفيان التوحيدي أيمن بن منصور، ط. دار الخلفاء الإسكندرية، ص 72- 73) .

الآيات القرآنية في منع الإقامة في بلاد الكفر:

من الآيات القرآنية في المنع من الٌإقامة في دار الكفر حال الاستضعاف، وعدم القدرة على إظهار الإسلام وشعائره:

1- قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ) (النساء:97-99) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية