مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (20) علاج التفكك الأسري المعنوي
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا زلنا في رحاب آيات "القرآن الكريم" حول الجلسة التربوية الإيمانية التي تعالِج مِن بداية النشأة أسباب القسوة، وتوجِّه قلب الإنسان لعداوة الشيطان بدلًا مِن عداوة إخوانه ومجتمعه، وتهيئه لأحسن الأخلاق مِن الكرم والجود والإحسان، والعفو والصفح، ومغفرة الزلات؛ هذه الأخلاق الحسنة التي تفتح أبواب الرحمة على الأسرة والمجتمع، وتغلق أبواب الشر وسيئ الأخلاق التي تملأ القلب بالضغينة والغل، والحقد والحسد؛ فتنفجر هذه الأخلاق في المجتمع فجورًا في الخصومة، وسوءًا في المعاملة، وقسوة في القلب والعلاقات الاجتماعية.
وقد كنت كتبتُ في تأملات إيمانية في سورة يوسف كلامًا أحببتُ أن أضيفه هنا؛ إتمامًا لما ذكرته في المقال السابق عن جلسة يعقوب مع يوسف -عليهما السلام- لعظيم فائدتها، نفعنا الله -عز وجل- به.
قال الله -تعالى-: ( إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ . قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (يوسف:4-5) .
نلحظ في هذا الحوار الجميل -بين الابن وأبيه- المليء بالأدب والتقدير، والاسترشاد من الابن البار، والحب والشفقة والنصح والتوجيه والتربية من الأب الحنون، ونلحظ وجود هذه المجالسة الخاصة التي لا يحضرها غيرهما، والتي تكاد تكون قد غابت بالكلية عن أكثر الأسر اليوم، وعن أكثر المربين والموجهين، شغلتهم عنها ملاهي الحياة، واكتفوا في توجيه أبنائهم ومَن يربونهم بمجرد الأوامر العامة التي كثيرًا ما تكون أشبه بالأوامر العسكرية الزاجرة، التي لا تنبت عاطفة ولا تؤثر في قلب؛ هذا إن وُجدت أصلاً في زحمة الحياة المعاصرة التي يتولى التوجيه والتربية فيها وسائل الإعلام -أقصد وسائل الإفساد- مِن تليفزيون وشريط فيديو، وبث مباشر، وشبكة (الإنترنت)، ومجلة، وشريط أغاني، ومناهج تعليم منحرفة، وأصدقاء سوء.
فضلًا عن الغنى المطغي أو الفقر المنسي الذي يجعل الأب -وغالبًا الأم- لا يجلسان مع أولادهما أصلًا؛ بل يخرج الأب قبل استيقاظهم ويعود بعد نومهم! ولو بقي وقت يستثمره؛ فهو يقضيه على المقهى يلعب (الطاولة)، ويتجاذب أطراف الحديث مع قرنائه في مجالس السوء هذه! أو لو جلس في البيت فالكل صامت أمام العجل الفضي (التلفزيون) يتلقى منه هو وأولاده التوجيه والتعليم؛ فأين هذه الجلسة التي يستنصح الابن فيها أباه منفردًا به، مختصًا به؟!
هذه الجلسة لها أهمية قصوى في التربية، لا بد أن يعطيها الأب والشيخ والمعلم لكل ابن من أبنائه، وتلميذ من تلامذته على حدة؛ حتى تتواصل القلوب، وتتقارب المشاعر، ونخرج من نطاق المادية ودائرة الرفاهية الكاذبة التي تُشقي الإنسان ولا تُسعده؛ فإن السعادة هي سعادة القلب بالأحاسيس الجميلة النبيلة، والمعاني الإيمانية الحية التي أصلها حب الله، وعبادته والشوق إليه ثم حب أنبيائه ورسله الكرام -صلوات الله وسلامه عليهم- ومتابعتهم.
فلا بد لنا أن نضع في برامج توجيهنا لأبنائنا مثل هذه الجلسة التي تجدها في هذا الموضع؛ كما تجدها في قصة إبراهيم -عليه السلام- مع ابنه إسماعيل -عليه السلام- حين يقول له: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِي ) (الصفات:102) ، وتجدها في وصية لقمان لابنه وهو يعظه، وتجدها في وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما- وهو يقول له: ( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ؛ هذه الكلمات التي أثرت أعظم الأثر في نفس الابن والمربي والمعلّم، وبقيت في قلبه عبر السنين كما سنرى عن قريب في قصتنا الكريمة.
وقول يوسف -عليه السلام-: ( يَا أَبَتِ ) تجد فيه رقي الحوار، والأدب الرفيع مع الأب، كما تلمس فيه الشعور بالخصوصية؛ فهو أبوه هو، وإضافته التاء المكسورة للفظ الأب تشعر بالقرب الشديد، وكسرة جناح الذل، وتستخرج من الأب أنهار الحنان والعطف، وتهيج عاطفة الأبوة الرحيمة؛ تلك العاطفة العجيبة التي هي مِن آيات الله في خلقه، ومن أدلة اتصاف الرب -سبحانه- بصفة الرحمة؛ إذ خلق في قلوب عباده هذه العاطفة ليرحمهم، ( ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (متفق عليه) ، ولا تجد جوابًا لهذه الكلمة: ( يَا أَبَتِ ) أحسن مِن: ( يَا بُنَيَّ ) تصغير ابني؛ وذلك للتعبير عن كمال الشفقة، والنصح والمحبة، والرحمة، وكلمة: ( يَا بُنَيَّ ) كلمة جليلة اختفت للأسف مِن قواميس لغتنا، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعملها؛ فقال لأنس: ( يَا بُنَيَّ ) (رواه مسلم) ، كما بوَّب النووي -رحمه الله- في كتاب الأدب في صحيح مسلم: "باب جواز قوله لغير الولد: ( يَا بُنَيَّ )، واستحبابه للملاطفة".
وكما ذكرنا أنه استعملها إبراهيم مع ولده إسماعيل -عليهما السلام-، واستعملها لقمان مع ابنه وهو يعظه، ولا يزال يستعملها الآباء الرحماء مع أبنائهم، والمربون الناصحون مع تلامذتهم؛ للتعبير عن الود والنصح والرحمة.