مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (20) علاج التفكك الأسري المعنوي
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
قارن هذا مع ما تسمعه من كلمات التعنيف التي تصدر من الآباء والأمهات في مجتمعاتنا، فضلًا عن السباب والشتم مما يدمر الشخصية، ويُعَوِّدُ القسوة، وينزع الرحمة؛ فينشأ الأبناء على نزعات الغلظة والقسوة؛ فتحصل الأخلاق الفاسدة، والانحرافات النفسية، وما يتبعها من أمراض المجتمعات، وتشوهات الشخصية؛ حتى يستعجب الناظر في كثيرٍ مِن الشخصيات، كيف وُجدت فيها هذه القسوة التي لا توجد عند الوحوش؟! وحقيقة الأمر أنها نبعت من سوء التربية، وقلة الحنان أو انعدامه في الصغر؛ فنسأل الله أن يرحم آباءنا وأمهاتنا كما ربونا صغارًا: ( رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (الإسراء:24) .
ويوسف -عليه السلام- حين رأى رؤياه كان غلامًا، فلم يكن قد نُبِئ بعد؛ لأن الأنبياء رجال -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، ولكن كانت رؤياه صادقة، كما عَلِمها كذلك أبوه يعقوب -عليه السلام- وعلم منها علوَّ يوسف -عليه السلام- على إخوته؛ فكانت نصيحته له: ( قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا )، ومن هنا يُستدل على أنه لا ينبغي أن تقص الرؤيا إلا على ناصح محب؛ لأن الرؤيا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فربما كان غير الناصح سببًا لوقوع المكروه بتأويلها على وجهٍ غير مرغوب فيه.
وكذلك يُستدل بهذه الآية على كتمان بعض ما فضل الله به بعض عباده من أنواع الإكرام والاختصاص عمن يتوقع منه الحسد والحقد، كما في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَعِينُوا عَلَى إنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) ، وأما قوله -تعالى-: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (الضحى:11) ؛ فهو إما بمعنى الحديث بما علّمه الله من النبوة والعلم فيعلّمه للناس، وإما بمعنى الثناء على الله -عزَّ وجل- بها، وكلا المعنيين صحيح، وعلى الثاني: فهو يحدث بها أهل الصلاح والخير الذين لا يحسدون مؤمنًا على ما أنعم الله به عليه.
ونلحظ هنا علم يعقوب -عليه السلام- بنفسية أبنائه الآخرين، وما يوقعهم الشيطان فيه من الحسد ليوسف -عليه السلام- لما اختصه الله به من أنواع الفضل الذي كانت مباديه ظاهرة منذ الصغر؛ ولذا كان حبُّ يعقوب -عليه السلام- له أكثر من إخوته؛ للصفات الجميلة التي اختصه الله بها، وهكذا ينبغي للأب أن يكون خبيرًا بصفات أبنائه، وكذا المربي والمعلم مع تلامذته؛ ليستطيع -قدر الإمكان- معالجة ما يقع بينهم، وليكن منتبهًا لهذا الداء العضال؛ داء الحسد الذى هو مِن أدواء إبليس، والذي كان من أسباب هلاكه، وكان داء ابن آدم الأول القاتل لأخيه -نعوذ بالله منه-، هذا الداء هو الذي يدفع إلى أنواع الكيد والمكر بالمحسود؛ لمحاولة إزالة النعمة التي فضل الله بها مَن شاء مِن عباده على بعض، وهذا كله منبعه الشيطان؛ رأس الحاسدين، وأول الحاقدين المتكبرين.
ولذا حرص يعقوب -عليه السلام- أن يبيِّن ليوسف -عليه السلام- ذلك بقوله: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ )، وهذا مِن أهم وسائل التربية والتوجيه في مثل هذا المقام، وهو يريد منع العداوة بين الإخوة، وتوجيهها للعدو الحقيقي البيّن (الشيطان الرجيم)، فالكيد السيئ طارئ على الإنسان؛ فلا ينبغي أن تكون العداوة متأصلة معه إلا مَن صار شيطانًا -والعياذ بالله-، وهذا هو الواجب على الأب المربي، أن يعمق في نفوس أبنائه وتلامذته عداوة الشيطان، والانتباه لعداوته؛ فإن أكثر الناس لا يلتفت لعداوته، ولا يتخذونه عدوًّا، بل وليًّا! فلا ينتبهون لوسوسته وخواطر السوء التي يلقيها، وشبهات الضلال التي يغذيها؛ فتثمر في قلوبهم ثمار الغي والضلال.
وتأمل كيف أثرت هذه الكلمة من يعقوب -عليه السلام- في نفس يوسف -عليه السلام-، فقال بعد نحو أربعين سنة: ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) (يوسف:100) ! فهو قد وعى الدرس مِن أبيه جيدًا، وعلم أن ما وقع من إخوته كان نزغًا من الشيطان، وليس أصله من قلوب إخوته؛ فعلى الرغم مما كان فيها من الحسد وما وقع بينهم من الكيد؛ إلا أن الخير في قلوبهم كان أغلب، وهو الذي انتصر في النهاية -بفضل الله- وزال الحسد والعداوة بشهود تفضيل الله وإيثاره؛ الذي هو دواء الحسد حين قالوا: ( لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ) (يوسف:91) .
وتأمل الأدب الرفيع في ترك المعاتبة واللوم كما وعدهم، فقال: ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ) (يوسف:92)، ونسب الأمر للشيطان، ولما ذكر ما وقع بينه وبينهم ذكر نفسه أولًا؛ فقال: ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) فذكر نفسه أولاً؛ لئلا يجد إخوتُه من الحرج أن الشيطان نزغ في قلوبهم هم -وهي الحقيقة-، ولكنها العبارة الرفيعة الأدب التي تؤدّي المعنى ولا تجرح الشعور في مثل هذا المقام!
والمقصود: أن المؤمن عليه دائمًا أن ينتبه إلى عداوة الشيطان؛ مما يقتضي حراسة الخواطر مِن كيده، والاستعاذة بالله منه، ومِن همزه، ونفثه، ونفخه.