الفساد (47) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (5-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا تتوقف معاناة الكفاءات العلمية التي هاجرت إلى الدول الغربية المتقدمة على ما يواجهونه هناك مِن غربة وتحديات وصعاب؛ لإثبات الذات، وتحقيق الآمال التي يتطلعون إليها، أو مواجهة أعباء الحياة المادية، ومحاولة التكيف مع المجتمعات الغربية دون الذوبان فيها وفقد الهوية، بل تمتد هذه المعاناة إلى المعاناة الجديدة التي يمكن أن يواجهوها إذا أرادوا بجدية العودة إلى وطنهم الأم والاستقرار فيه؛ حنينًا وشوقًا، أو هروبًا من الغربة والحياة الغربية المادية الجافة، أو رغبة في خدمة وطنهم بما حصلوه من خبرات، أو رغبة في أن يتربى أولادهم على قيم وأخلاق ومبادئ الدِّين، لا على قيم ومبادئ وسلوكيات الغرب العلماني، أو رغبة في استثمار أموالهم التي جنوها في مشاريع واستثمارات داخل بلادهم، بدلًا مِن استثمارها في الخارج، فسرعان ما تواجههم في الوطن الأم مشكلات وعوائق فوق الظروف والأحوال التي تركوا البلاد من قبل من أجلها، وظنوا أنهم يمكنهم أن يتجاوزوها بما حققوه من علوم وتخصصات أو جنوا من أموال يمكنهم الاستثمار فيها، إذ سرعان ما يصطدمون بأوضاع جديدة لم تكن في الحسبان تدفع الكثيرين منهم دفعًا إلى مغادرة الوطن من جديد وعدم الاستقرار بعائلاتهم فيه!
فبعد العودة من دول متقدمة ومتطورة تقدر العلم والعلماء، وتوفر لهم المناخ العلمي والحرية الأكاديمية والوظائف المناسبة والمناصب، وينعمون فيها بالتقدير والتكريم في مقابل ما يبذلونه ويقدمونه للدولة التي يقيمون فيها، يصطدمون في بلادنا بصور من المعاملة تناقض ذلك تماما:
1- فلا تقدير لتخصصاتهم وخبراتهم العلمية، وكأن الدولة لا تحتاج لها مع كونها في شدة الاحتياج لهم، ولكن لا توجد معايير علمية لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
2- يسود مجتمعنا الفوضى وعدم احترام النظام وعدم تقدير قيمة الوقت، وهي سلبيات تتحول إلى مضايقات مصطنعة مكثفة في نظر العائدين من أجل خدمة وطنهم والإقامة فيه.
3- الكبت وفقد الحرية الأكاديمية والتعرض للضغط الفكري وانعدام الاستقرار النفسي.
4- المساومة في الرواتب والأجور ونوعية العمل المقدم لهم إن وجد لاعتبارات سياسية أو حزبية أو اجتماعية دون أدنى اعتبار لاحتياجات المجتمع، وإمكانيات الفرد ومؤهلاته وقدراته، والأمثلة على ذلك من الواقع مؤسفة للغاية!
5- احتكار المناصب والوظائف المهمة والسلطات لفئات معينة في الدولة، وبالتالي تسخير ذوي الكفاءات والخبرات العلمية في أدوار روتينية أو أعمال آلية تنفيذية، ولسان الحال: اخضع لنا أو ارحل عنا (هو إحنا ناقصين!).
6- عدم توافر البيانات والمعلومات والإحصائيات لأي دراسة أو بحث علمي يقوم بها باحث، وافتقاد الشفافية في البيانات والمعلومات المتاحة لأي دراسة اقتصادية للتعرف على الحالة الاستثمارية، بل وربما اعتبار منحها للباحثين إن وجدت خيانة للوطن، ومِن الإخلاص للوطن حجبها أو التلاعب فيها! لذا فمن السهل على الباحث وهو داخل وطنه أن يتوجه إلى مصادر أخرى أجنبية للحصول على البيانات والمعلومات التي يحتاج إليها أكثر من استطاعته الحصول عليها من مصادر محلية.
7- نظرة الشك الحكومية الدائمة تجاه ذوي الكفاءات العلمية والخبرات القادمين من الخارج والتي قد تصل إلى حد مراقبتهم أو التجسس عليهم، فكل قادم من الخارج يعامل معاملة الشك فيه والاتهام له حتى تثبت براءته لا العكس.
8- تقديم الكفاءات الأجنبية في العمل وتقديم الرواتب المغرية لهم على حساب الكفاءات الوطنية التي تحمل نفس الدرجة من التخصص والخبرة، بل وقادمة أيضًا من الخارج، فيحرم أصحاب الكفاءة والخبرة الوطنيين من فرص العمل وتمنح للأجانب، ويحرم من نفس الراتب والمكافآت والحوافز إن منحت له، وهذا بلا شك له تأثيره النفسي السيئ على هذه الكفاءات العلمية:
أحـرام عـلى بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس
والأدهى والأمرّ: أن الغرب يرسل لنا خبرائه من المستوى الثاني أو الثالث، ويشترط في مِنحه وقروضه لنا استقدام خبرائه الأجانب للمشاريع التي تقام بها، وتقديم الأجور المبالغ فيها أحيانًا لهم، وهو يضن علينا بخبرائه مِن المستوى الأول، ومنهم للأسف خبراء مصريون وعرب! (راجع في ذلك: "نزيف الأدمغة" د. عطوف محمود ياسين، ص 80- 88) .
التوقعات المستقبلية يسودها التشاؤم:
إن نزيف الأدمغة في بلادنا مرعب وخطير، ويبدو أنه سيستمر بمعدلاته الحالية إن لم يزد، فـ(لرغبة الحكومة المصرية في تشجيع الهجرة للعمل في الخارج، قد أقامت إدارة خاصة للهجرة في وزارة الخارجية لتأمين أسواق للعمل في البلدان المختلفة)، وهناك الملايين من الخبراء والأطباء والمدرسين والمهندسين والمتخصصين يعملون في الخارج، في الوقت الذي تشكو مناطق كثيرة في مصر من نقص حاد في المدرسين والأطباء في مختلف التخصصات.
ويرجع السبب في تشجيع الدولة لهذه الهجرة واستمرار ارتفاع النمو السكاني مع انحسار تواجد السكان في نحو 6 % فقط من مساحة مصر الكلية؛ أي التواجد على حوالي 60 ألف كيلو متر مربع فقط من إجمالي مساحة مصر، والتي تبلغ مليون كيلو متر مربع (أي بنسبة 60 من ألف من المساحة الإجمالية لمصر)، والسبب الرئيسي في ذلك يرجع إلى تجاهل -أو فشل- الحكومات المتعاقبة في مصر عبر العقود الماضية في إعادة توزيع السكان، وإنشاء المدن الكثيرة الجديدة، وإدخال البنية التحتية والخدمات الأساسية فيها، وإنشاء المشاريع الاستثمارية الضخمة فيها، واستثمار موارد البلاد الكثيرة، خاصة في سيناء والصعيد وسواحل البحر الأحمر والصحراء الغربية، والاستفادة من الظهير الصحراوي للمحافظات الحالية مما ترتب عليه تزايد البطالة.