شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (47) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (5-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

(إن التوقعات المستقبلية في أي مشكلة تحتاج إلى بيانات وإحصائيات دقيقة حول طبيعة المشكلة وأبعادها ونتائجها، وتعتبر مشكلة هجرة العقول من أقل المشكلات التي اهتمت بدراستها مجالس البحوث ومعاهد الدراسات، ويمكننا الاعتماد على إحصائيات اليونيسكو وهيئة الأمم ووزارات العمل وإدارات الهجرة والجنسية في الدول الأجنبية، أما في الدول العربية فإن وجود بيانات وإحصائيات للتحليل وافتراض توقعات مستقبلية فإنه أمر مشكوك فيه؛ نظرًا لأن البحوث العلمية الجادة واستخدام الإحصاء كأداة علمية ما يزال غائبًا في مناطق كثيرةٍ، ولاعتباراتٍ كثيرةٍ، فالذي يقوم بتقرير الميزانيات الضخمة وتوزيعها وإنفاقها قلة، ولا غرابة أن يتبع ذلك تخلف الأمور المرتبطة بخطط التنمية وأسواق العمل ورأس المال البشري المتخصص وظروفه ومآسيه، ويبدو كل شيء يقرر بالنيابة عن الإنسان العربي وفي غيابه) (المصدر السابق، ص 117 - 118 بتصرفٍ) .

(إنه لا أمل من تخفيف هجرة العقول ما لم تعالج الدول أسباب النزيف)، فـ(إزالة مصادر العلة -وما أكثرها!- جراحيًّا هو الطرف الأول في إيقاف النزيف؛ أما الإجراءات الروتينية من مؤتمرات وضجيج إعلامي وتوصيات ورقية دون تنفيذ، فهي مجرد تخدير ومسكنات للجسم المريض)، (والجانب الثاني بجانب استئصال أسباب المشكلة هو: تحديد الطلب المتزايد من الدول التكنولوجية لهذه العقول ومعاملتها بالمثل، ومن الضروري أن نقيم دومًا علاقة سببية بين التنمية وبين مواجهة مشكلة النزيف في العقول وهجرتها للخارج. إن منطق التاريخ الذي سارت حسب قوانينه دول كبيرة: كاليابان، وروسيا، وألمانيا في خطط التنمية بها تعلمنا درسًا بليغًا مؤداه أنه لا يوجد رادع يوقف نزيف الهجرة أو جاذب للمهاجرين للرجوع إلى الوطن سوى التنمية المخططة العادلة المتكافئة، والشاملة المتكاملة، وإن هذا النوع من التنمية لا يمكن أن يقوم مع غياب المؤسسات الديمقراطية الشعبية والنقابات المهنية التي تختلف كليًّا عن الواجهات الحكومية والبرلمانية، إن هذا التحليل المتشائم يأتي بعد النظرة الواقعية التي سبق أن شرحناها باستئصال الأسباب وتحديد الطلب على العقول من الخارج. والنظرة المتشائمة ترى أن هجرة المهندسين والفنيين من البلاد العربية إلى الدول المتقدمة ستزداد، وبمعنى آخر: إن النزيف سيتصاعد ما دامت الأسباب الدافعة للهجرة قائمة، والحوافز الجاذبة في الدول التكنولوجية المتقدمة قائمة) (المصدر السابق، 119- 120 بتصرفٍ) .

المواجهة والحلول:

إن النقد البناء أول طريق التصحيح، فكل شيء في عالمنا قابل للنقد من أجل التصحيح والتغيير من أجل حياة أفضل، ورفض التصحيح والتغيير هو عجز.

ويتفق جميع خبراء التنمية أن العلاج يكمن في:

1- معالجة أسباب الداء.

2- وضع خطة شاملة داخلية للعمل تتضمن الشمولية والموضوعية والتكامل، مبنية على تشخيص دقيق لأبعاد المشكلة.

3- وضع الخطة في حيز التنفيذ وإلا فهي مجرد كلام.

4- تكون مواجهة نزيف الأدمغة على المستوى الداخلي والإقليمي والعربي والدولي، تبدأ الحلول من الداخل ولكنها لا تكون بمعزلٍ عن التعاون الشامل والمخطط له مع الدول العربية، ولا تغفل التعامل مع الأطراف الدولية.

5- تناول خطة العمل في كل حل من الحلول سببًا من الأسباب وترتبط به، حتى يتم حل المشكلة من جذورها، فلا نكتفي بتناول مجرد الأعراض الظاهرة منها فقط.

6- تجسيد خطة العمل في خطوات تنفيذية مع تقييم دوري، ومتابعة دائمة لتعديل وتحسين الحل والخطة.

7- تقسيم الحلول بحسب إلى ما هو عاجل ومصيري، وما هو متوسط أو بعيد، وهذا التصنيف للحلول ينبني على دراسة جادة بحسب واقع الحلول العملي وأولوياتها.

وقد ذكر د. عطوف محمود ياسين في كتابه: (نزيف الأدمغة) الذي طبع في بيروت عام 1984م الكثير من التوصيات والحلول المقترحة لهذه المشكلة الخطيرة، والتي مازالت تحتاج للتذكير بها؛ إذ لم تطبق رغم مرور أكثر من 35 عامًا على اقتراحه لها، ومنها:

1- زيادة رواتب ذوي الكفاءات العلمية والمتخصصين حيث رواتبهم إلى تحتاج إلى إعادة نظر في ظل الغلاء والتضخم المالي؛ ولهذا أثره في استقرارهم المادي والنفسي، وجذبهم للعودة لأوطانهم، وقد كشفت الدراسات أن هناك دولًا نجحت في استقطاب الكثير من علمائها وخبرائها في الخارج من خلال زيادة رواتبهم ومنحهم علاوات إضافية فوق رواتبهم العادية، وقد (دعت هيئة الأمم المتحدة في أحد تقاريرها حكومات الدول المعنية لبذل الجهود لتحسين ظروف العمل، وتقديم الإغراءات المالية لأصحاب الكفاءات العلمية والمتخصصين).

2- مساواة الخبراء المحليين بالخبراء الأجانب طالما أنهم يحملون نفس الشهادة والمؤهل، ويؤدون نفس العمل؛ إذ إننا نعاني من عقدة تجاه (الخواجة) الأجنبي فنقدمه على الخبير المحلي. إن مراعاة كرامة علمائنا وخبرائنا تقتضي مساواتهم في الأجر والتكريم بالخبير الأجنبي الذي يتساوى معه في الشهادة والكفاءة بلا تمييز.

3- الحرص على تكريم العلماء والخبراء والمتخصصين، إذ إن الكثيرين منهم في بلادنا محرومون من التكريم والتوقير، بينما يَجد نظراؤهم ممَن يتوجهون للعمل بالخارج صورًا واضحة مِن تكريم حكومات الدول الأجنبية لهم من خلال الاحتفاء بهم وإظهار إنجازاتهم ومنحهم الدرجات الفخرية والشهادات التقديرية والامتيازات.

إن الحد الأدنى أن يكون هناك عيدًا للعلم والعلماء تقدَّم فيه الجوائز والمكافآت السخية للنابغين من العلماء في كل التخصصات، لإعادة شعور العلماء بمكانتهم وتقدير الدولة لهم، وهو شعور يحتاج لوقتٍ طويلٍ وجهدٍ كبيرٍ لإعادة بنائه، ولا بد أن نسارع في إيجاده.

4- الحد من الروتين والبيروقراطية: فما زالت الإدارات والمؤسسات في بلادنا تعاني من بيروقراطية وروتين، وتضخم في أعداد الموظفين بصورة تتسبب في إعاقة كبيرة للإنتاج وإهدار للوقت والجهد، وقد أكدت الدراسات أن الحصيلة الإنتاجية لنفس ساعات العمل في بلادنا تقل كثيرًا جدًّا، وبدرجة مفزعة عن مثيلاتها في الدول المتقدمة.

وللأسف تمتد آثار المماطلات الإدارية والروتين إلى عمليات التعيين والترقية، وتحسين ظروف العمل والعاملين، وتمتد لشهور طويلة وسنين، وأحيانًا العمر كله!

الصفحة السابقة الصفحة التالية