شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (21) علاج التفكك الأسري المعنوي

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (يوسف:6)، هذه الجلسة التربوية الإيمانية الرائع التي أثرت في يوسف -عليه السلام- عمره كله، وظل أثرها عبر السنين رغم الفراق الطويل، يقصّها الله علينا ليعلِّمنا كيف يُغرَسُ الإيمانُ والحب لله في القلب؛ ولتكون القدوة والأسوة للآباء والمربين في توجيه الأبناء والتلاميذ.

فيخبر الله عن قول يعقوب ليوسف -عليهما السلام-: ( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) أي: كما اختارك وأراك سجود هذه الكواكب والشمس والقمر لك؛ فكذلك ( يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ) أي: يختارك ويصطفيك بفضله.

وشهود نعمة الله وفضله أصل سعادة العبد؛ إذ هي أصل الشكر، وإنما يعمل الشيطان ليجعل الخلق غير شاكرين ( وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (الأعراف:17) ؛ فإذا شكر العبد ربه قطع الطريق على الشيطان فلم يجد إلى قلبه سبيلًا، وشهود الاختصاص بالرحمة والتفضيل من أعظم ما يأخذ بقلب العبد إلى ربه -سبحانه-؛ حبًّا وشوقًا ورجاء وعبودية؛ فالحب ينبت على حافات شهود المنن، ومعرفة الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا قد تحقق في كلمات يعقوب -عليه السلام- لابنه يوسف -عليه السلام-.

وأعظم نعمة واجتباء يمُنُّ الله بها على عبده هي نعمة الإسلام والإيمان والإحسان، ثم الاجتباء بالقرب الخاص والتفضيل على كثيرٍ مِن عباده المؤمنين، وأعلى ذلك الاجتباء بالنبوة والرسالة؛ تأمّل ما ذكر الله -سبحانه وتعالى- في كلامه لموسى -عليه السلام-: ( وَأَنَا اخْتَرْتُكَ ) (طه:13) ، وقوله -تعالى-: ( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى . وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ) (طه:36-37) ، إلى قوله: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ) (طه:39) ، وقوله -تعالى-: ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) (طه:41) ، ولولا تثبيت الله لهذه القلوب لضعفت من شدة الفرح والحب، والشوق إلى الله -سبحانه-.

وتأمّل قول الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( وَكَانَ فضلُ اللهِ علَيْكَ عَظيمًا ) (النساء:113) ، وقوله: ( وَإنَّك لَعَلَى خُلُقٍ عَظيمٍ ) (القلم:4) ، ماذا ينالنا نحن من إدراك قبس من النور الذي حلَّ في قلوب الأنبياء؟

وتأمل قول الله -تعالى- لعباده المؤمنين: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) (آل عمران:164) ، وتأمل قوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ . يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (آل عمران:73-74) ، وقوله -عز وجل-: ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الحج:78) .

فحين تستشعر أن الله هو الذي سمّاك مسلمًا من قبل ولادتك، ومَنَّ عليك من قبل وجودك، وسمَّاك مسلمًا في القرآن -أشرف الكتب المنزلة على أشرف الرسل صلى الله عليه وسلم-؛ يكاد القلب يذوب حبًّا وشوقًا ورجاءً لمزيد الفضل والرحمة منه -سبحانه-، فالكون مليء بأدلة التفضيل بين الخلائق ( اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (الإسراء:21) ، وتأمل هذا في الدنيا يقود إلى وجود تفضيل أعظم في الآخرة ( وَلَلآخرةُ أكْبَرُ درجاتٍ وَأكْبَرُ تَفضيلاً ) (الإسراء:21) ، وشهود التفضيل بالدين أعظم سبب للحب، مع معرفة صفات الجمال والجلال لله سبحانه.

ولنتأمل في ذكر اسم الرب مضافًا إلى ضمير المخاطب المفرد في قوله: ( يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ )؛ لنجد التوجيه ولفت نظر القلب إلى هذه الخصوصية في العلاقة؛ ربك أنت الذي يفعل بك كل جميل ويَمُنُّ عليك بكل نعمة، ويختصك أنت، ويريدك أنت؛ فلتشهد أفعاله الجميلة بك، ولتحرص على أن تكون له وحده، وتشهد فضله وحده، لا تُحَقِّقُ هذا الشعور غير هذه الكلمة "ربك" في مثل هذا الموضع.

وذِكْر اسم يعقوب -عليه السلام- الذي سُمِّي به في صغره دون ذكر إسرائيل؛ الذي سُمِّي به في كبره بعد جهاده في اللّه، وتضحيته وصبره وغلبته لنفسه لله -عز وجل-؛ هذا -والله أعلم- تواضعٌ لله -سبحانه-.

قوله -سبحانه وتعالى- عن يعقوب -عليه السلام-: ( إنَّ ربَّك عَليمٌ حكيمٌ ): إن الإيمان بالأسماء والصفات أساس التوحيد والمعرفة، ونجد هنا التربية الإيمانية على التعلق بالأسماء والصفات واستحضار آثارها، وذكر هنا ثلاثة أسماء لله -سبحانه-: (الرب والعليم والحكيم)؛ ذكر اسم الرب مضافًا إلى ضمير المخاطب المفرد؛ ليرى في نفسه خصوصية التعلق وشهود الإصلاح الخاص، فالرب هو الذي يُربي مربوبه؛ أي يصلحه ويقوم على شأنه، والله -سبحانه وتعالى- يخص أنبياءه ورسله ثم أولياءه بأنواع من العناية والإصلاح، ويسبغ عليهم من النعم والفضل ما لا يسبغه على غيرهم؛ فإذا استشعر العبد ذلك؛ عظمت عنده النعمة، وتعلق قلبه بربه تعلقًا خاصًّا حبًّا وشوقًا ورجاءً، يختلف عن تعلق سائر الخلق؛ فإن النعمة الدينية أعظم من النعمة الدنيوية ( وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ? وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (النساء:113) .

الصفحة التالية