شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في المجتمع أسباب وعلاج (21) علاج التفكك الأسري المعنوي

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

والرب أيضًا المالك لمربوبه؛ وإذا استشعر العبد أنه مملوك، مختص بمزيد فضل مالكه؛ مَهَيّأ مُعدٌ لأمر لم يهيأ له غيره من المماليك؛ رَبَأَ بنفسه أن يضيعها أو يرضى لها بأن يملكها غير مالكها الحق، ولم يرضَ بعبودية غير ربه ومولاه.

والرب أيضًا السيد الآمر الناهي المطاع، وفي هذا يشهد المؤمن أن أوامر ربه ونواهيه له هو، وهو المقصود بها قبل غيره، وأن طاعته هي المقصودة، وهذا يجعله أشد حرصًا على التزام الأمر واجتناب النهي، والمداومة على الطاعة.

واسم (العليم) في هذا الموطن: يقتضي شهود علمه بمن يَصْلح للاجتباء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته وأعلم بالشاكرين، وأعلم بكيفية تدبير أمر عبده المؤمن حتى يوصله إلى غايته المحمودة، وأعلم بما في قلوب عباده؛ فيقدر أمره الغالب بعلمه الأول الموصوف به أزلًا -سبحانه-.

واسم (الحكيم): بمعنى الذي لا يفعل ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة وغاية محمودة، فهو يضع الأشياء في مواضعها، وإذا اجتبى عبدًا وعلّمه، ومَنَّ عليه بما لم يمُنّ على غيره؛ فلأنه أهلٌ لذلك، فهو أعلم بخلقه، ويفعل فيهم مقتضى الحكمة التي يستحق الحمد عليها، كما أن شرعه -عز وجل- كله حكمة، وأوامره الشرعية لعباده المؤمنين فيها مصالحهم في دينهم ودنياهم، وهذا كله يقتضي التسليم لشرعه، والرضا به -سبحانه وتعالى- وعنه ربًّا مدبرًا قادرًا، لا يتهمه في قضائه ولا يعقب على حكمه؛ وإن غابت عنه الحكمة في مبادئ الأمور؛ فليوقن بها، فما يخلو قضاؤه عنها أبدًا، وليصبر لأمره؛ فسيرى العجب، وليواظب على الحمد والتفويض والتوكل.

واسمه (الحكيم) بمعنى: المُحْكِم للأشياء؛ الذي أتقن صنع كل شيء، وتدبير كل شيء، وكلا المعنيين في قصة يوسف -عليه السلام- يظهر في تفاصيلها من آثارهما العجب، فتأمل حكمة الله في إلقاء يوسف -عليه السلام- في البئر، ثم بيعه رقيقًا وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وكيف كان هذا في الحقيقة سببًا لعلوه، وارتفاعه على إخوته الذين أرادوا إنزاله؛ فارتفع بفضل الله، وأرادوا إذلاله فعَزَّ بتقدير الله وحكمته، وانظر كيف كان السجن سببًا للملك؟! لو لم يُبْتَلَ يوسف -عليه السلام- به لظل في رق العبودية؛ فكان الضيق سببًا للسعة بحكمة الحكيم -سبحانه-، وغير هذا كثير مما سيمر بنا -إن شاء الله- أثناء تفاصيل القصة، وتأمّل كذلك إتقان التدبير والكيد منه سبحانه، وكيف كان الأمر في غاية الإحكام لينفذ أمره، ( وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (يوسف:21) .

ولقد ظلَّ يوسف -عليه السلام- متعلقًا بأسماء الله الحسنى التي علّمها له أبوه عبر السنين، وظهر هذا جليًّا في نهاية القصة بعد السنين الطوال والفراق البعيد؛ فيقول لأبيه: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (يوسف:100) ؛ نفس الأسماء التي ألقاها على سمعه وقلبه أبوه الكريم في صغره، وهذا يؤكد لنا أهمية التربية الإيمانية على فهم معاني الأسماء والصفات والتعلق بها حتى لو كانت البيئة بعد ذلك غير مُعينة على نفس التربية، بل حتى لو كانت البيئة فاسدة؛ كالتي عاش فيها يوسف -عليه السلام- كانت بيئة كافرة ماجنة لاهية، ومع ذلك بقي أثر التربية العظيمة.

ولو تأملت وصية لقمان لابنه كيف يعلمه أسماء الله الحسنى: ( إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) ، ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (لقمان:18)، وتأمَّلت كذلك الكلمات التي يعلمها النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ؛ لظهر لك ضرورة هذه التربية، ومدى التقصير الذي يقع فيه الآباء والمربون إذا أهملوا هذا الجانب من جوانب التربية.

وبالقطع واليقين، إن طريقة علم الكلام بالتعريفات الرياضية والحدود الكلامية هي أبعد الطرق وأظلمها؛ فليبتعد عنها الأب والمربي، وعليه بطريقة الكتاب والسنة والسلف الصالح -رضوان الله عليهم-.

الصفحة السابقة