شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (48) الأمية ميراث متروك من القرن العشرين

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تحولت مسألة مكافحة الأمية في مصر إلى مشكلة مستعصية على الحل رغم إقرار الجميع بمساوئ الأمية وآثارها السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع، فهناك الملايين (من الأطفال المصريين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس أو التحقوا بالفعل ثم انسحبوا ثانية، ليشكلوا رقمًا من أرقام مخيفة للتسرب والحرمان من التعليم لأسبابٍ عديدةٍ، منها: المدرسية أو الاجتماعية أو الثقافية، وتعتبر الأسباب الاقتصادية قاسمًا مشتركًا مع كل الأسباب الأخرى؛ ليصبحوا بذلك خارج حياة المجتمع الفاعلة يؤثرون فيه سلبًا).

(وعلى الرغم من جهود حريصة من أفراد ومؤسسات مجتمعية أو حكومية، فواقع الأمر يؤكد أنها جهود مبعثرة لم يتحقق منها الهدف المنشود أو المقنع للمجتمع مما يجعلها طاقات مشتتة)، فـ(في إصدار للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في يناير 2013م لإحصاء عدد الأميين بأنه أكثر من 17 مليون أمي، في الوقت الذي نجد فيه أعداد المتسربين من المدارس بعد التحاقهم بها نحو 10 % من الملتحقين) (انظر: "التعليم والمجتمع: استعادة الثقة"، تأليف: صفاء محمود المعداوي - وكيل مديرية التربية والتعليم بالقاهرة - مطبوع عام 2014، ص: 41 بتصرف) .

وتؤكد الشواهد التاريخية: أن قضية محو الأمية وتعليم الكبار في مصر كانت قضية وطنية ارتبطت بالنهوض الوطني وطموحات الترقي، كما ارتبطت بالأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بل وعلى مدى توافر العدالة الاجتماعية.

ففي عام 1876م أصدر مجلس شورى القوانين قانونًا لمكافحة الأمية، ولكن للأسف فإن تنفيذ القانون لم يتم؛ نظرًا للاحتلال البريطاني من جهة، وطغيان الاهتمام بالقضايا الوطنية من جهة أخرى (راجع: "المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين في القرن الحادي والعشرين" د. حامد عمار - د. صفاء أحمد - ط. مكتبة الأسرة 2015 م - الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 115) .

وقد ضحى الزعيم الوطني محمد فريد بكثيرٍ من أمواله وجهده في سبيل تعليم العمال في مدارس ليلية لمكافحة الأمية، مقترنة بتعليم حقوقهم وواجباتهم في الحركة الوطنية (المصدر السابق، ص 115) .

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية برزت طموحات حول مطالب الاستقلال والتقدم، وارتبطت قضية الأمية بمقومات الاستقلال، فصدر قانون عُرف بقانون: (مكافحة الأمية ونشر الثقافة الشعبية) رقم 10 لسنة 1944م، حيث كانت نسبة الأمية في ذلك الوقت قد تجاوزت 75% من الكبار بين عمر 10 سنوات حتى 65 سنة، أي: حوالي 10 مليون أمي تقريبًا حين كان مجمل عدد سكان مصر وقتها لا يزيد عن 16 مليونًا، وهو القانون الذي يعكس الاهتمام بقضية محو الأمية وتعليم الكبار والرغبة في حلها، حيث ألزمت مواد القانون الذكور والإناث ممن تزيد أعمارهم عن 12 سنة ولا تتجاوز 45 سنة بالالتحاق بفصول محو الأمية إذا لم يكونوا ملمين بالقراءة والكتابة.

كما أوجب القانون على أصحاب الأعمال التجارية والمؤسسات الصناعية فتح فصول لمكافحة الأمية على حسابهم الخاص، كما أوجب ذلك على كبار الملاك ممن يملكون مائتي فدان فأكثر، وفي حال تقصير تلك الفئات عن الالتزام بمسئولياتها في تنفيذ هذا القانون تقوم الدولة بهذه المسئوليات بالنيابة عنهم وتحملهم كلفتها المالية، كما أوجب القانون على وزارتي: الحربية والداخلية، تعليم الأميين من العساكر والمجندين وصف الضباط، كما ألزم مصالح الحكومة بتعليم العمال والمستخدمين لديها.

وكان من المقدر مع إسناد مكافحة الأمية إلى مختلف الهيئات والوزارات ونقل مسئوليات تنفيذ القانون من وزارة الشئون الاجتماعية إلى وزارة المعارف بالقانون 128 لسنة 1946م أن يتم محو أمية الكبار في مصر خلال 15 عامًا، ولكن للأسف لم يتحقق المراد كما كان الشأن من قبل في تنفيذ قانون التعليم الإلزامي الذي بدأ تنفيذه في عام 1925م، حيث تباعدت حلول المشكلة بين نص القانون وإمكانيات الواقع والتنفيذ، فمن تقاعس كبار الملاك الزراعيين وكبار التجار الرأسماليين وتحايلهم في تنفيذ القانون، واكتفاء الطبقات الحاكمة بالتطبيق الشكلي في بداية الأمر ثم الانتقال الحال إلى عدم متابعته وإغفاله لينتهي الأمر إلى الفتور في التنفيذ، رغم الصيحات والدعوات إلى تنظيم الجهود وقيام الدولة والجهود التطوعية بدورها في هذا الشأن (راجع: المصدر السابق، ص 115 -117 بتصرفٍ) .

وبعد قيام ثورة يوليو 1952م، وتطبيق مجانية التعليم والاهتمام به تحسنت الأوضاع بزيادة نسب المتعلمين من أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة بدرجةٍ غير مسبوقة؛ مما ساهم في خفض نسبة الأمية نسبيًّا، ولكن جاءت هزيمة يونيو1967م ومن قبلها حرب اليمن -التي استنزفت الاقتصاد المصري وأثرت على مسيرة التنمية- ليتبعها توقف الجهود في مجال التعليم وغيره من الخدمات؛ مما تسبب في عدم تزايد بناء المدارس في مراحل التعليم المختلفة لتتناسب مع الزيادة في أعداد التلاميذ والطلاب، مع ضعف تطوير العملية التعليمية وتدهور أوضاع المعلمين؛ فزادت أعداد المتسربين من التعليم، وهذا التسرب هو الرافد الأساسي والمستمر للأمية.

ولم تفلح الجهود الشكلية من الدولة والدعوات والصيحات غير الجادة عبر عقود عديدة في منع ازدياد معدلات الأمية بين الصغار أو القضاء على أمية الكبار، فما تسفر عنه جهود الدولة من النجاح في محو أمية عشرات أو مئات الألوف من الأميين كل عام يقابله طوابير من الأميين مثلهم ممن يتسربون من التعليم أو لا يلتحقون بالمدارس كنتيجة متوقعة لأسبابٍ عديدةٍ؛ اقتصادية واجتماعية إلى جانب سوء سياسات التعليم وتردي العملية التعليمية.

(وفي أوائل التسعينيات من القرن الماضي: أعلن رئيس الجمهورية اعتبار عقد التسعينيات عقدًا لمحو أمية الكبار، ومعها أصدر مجلس الشعب القانون رقم 8 لعام 1991م لمكافحة الأمية وتعليم الكبار للفئة العمرية ما بين 35 - 15 سنة، ثم تكوين الهيئة العليا لمحو الأمية وتعليم الكبار عام 1992م تابعة لمجلس الوزراء.

الصفحة التالية