الفساد (48) الأمية ميراث متروك من القرن العشرين
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومِن الإنصاف أن يقال: إن وزارة التربية والتعليم تبذل جهودًا حثيثة لسد منابع الأمية من خلال الاستيعاب الكامل للملزمين في سن السادسة، فضلًا عن العمل على تعليم الأطفال الأميين بين 8 و14 سنة في مدارس الفصل الواحد أو مدارس المجتمع في القرى) (المصدر السابق، ص 117) .
(ويقع حمل الأمية بأثقاله وقيوده أكثر ما يقع على الإناث، حيث تمثِّل فئة الأميات حاليًا حوالي 60 في المائة من مجمل أعداد الأميين)، بل (يمكن القول بأن لدينا حاليًا حوالي 6 ملايين أمي من الذكور، وحوالي 11 مليونا من الإناث في المرحلة العمرية ما بين 15 - 35 سنة. ويبدو التسكع في مواجهة هذه المشكلة إذا أدركنا أن نسبة الأمية في كوريا الجنوبية كانت قريبة من مثيلتها في مصر في أوائل الستينيات، لكن الأولى أوشكت على القضاء عليها، في حين أننا ما زلنا نرزح تحت أعبائها) (المصدر السابق، ص 117 - 118 بتصرفٍ) . ويبدو (أنه إذا استمرت معدلات التسكع لدينا على الوتيرة الحالية فإن القرن الحادي والعشرين قد ينتصف دون أن نتغلب على تحدي الأمية، وترسيخ مقومات مجتمع متعلم) (المصدر السابق) .
ومما ينبغي ذكره هنا: أنه (لما أرادت الدولة التنازل مرحليًّا عن مواجهة تعليم الأميين من الفئة العمرية (15 سنة وما بعد) نتيجة لعجز الموارد اللازمة؛ أصدرت القانون رقم 8 لسنة 1991م بالاقتصار على مسئوليات الدولة بمحو الأمية للفئة العمرية من (35 - 15 سنة) من السكان، وتلاه القانون رقم 131 لسنة 2009م مقتصرًا على نفس الفئة، ونتيجة لهذين القانونين تصبح أعداد الأميين المستهدف القضاء على أميتهم في الفئة العمرية (35 -15 سنة) تبلغ 5و5 مليون نسمة، ونسبة الأمية فيها حوالي 20 %، بينما نسبة الأمية حسب تعداد 2006م 17 مليون، أي: حوالي 7 و29 %، وهي في جميع الحالات نسبة تعتمد على ما يسمى بالتصريح الذاتي للفرد عند إجراء الإحصاء.
وباختصار يمكننا اعتبار نسبة الأمية بين الكبار (15 سنة فما فوق) في مجمل السكان حوالي 27 % في أقل التقديرات، وربما تتجاوز 30 % في بعضها (راجع المصدر السابق، ص 236 بتصرف) .
يقول مؤلفا كتاب: (المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين في القرن الحادي والعشرين): (وإذا كان القصور في الموارد من بين أسباب التباطؤ في الإنجاز، فإنه مما لا يقل أهمية عن ذلك أمران خطيران متشابكان في دوافعهما:
أولاهما: البُعد الوطني الأخلاقي المتصل بالأمانة والإخلاص والصدق في تحمل مسئولية العمل في هذه المعركة، ويعكس التصريح المخلص للسيد رئيس الهيئة العليا لمحو الأمية إذ ذاك ما أقصده في هذا البُعد، وذلك في مقولته: إنه طالما واجهنا القول مقام العمل، والإعلام مقام الواقع والعيان، سنظل نعاني من هذه المشكلة.
أما البُعد الثاني: فهو العنوان الصحفي الذي ورد تحته خبر تصريح رئيس الهيئة، وهو: (الأمية للمنتفعين) بكل ما تحمله من دلالات الثقافة والفساد، وهو ما يتطلب ترشيد الإنفاق وفاعلية الموارد المتاحة.
والملاحظ: أن نسبة ملحوظة من الإنفاق تذهب إلى المنتفعين بالمكافآت والحوافز من الأجهزة الإدارية الإشرافية والإعلامية والمهرجانية، ومن المستويات المركزية والإقليمية والمحلية، كذلك تستنزف عمليات الدراسات والبحوث والمؤتمرات قسطًا ملحوظًا مِن الموارد التي كان يجب توجيهها لخط الإنتاج الأول في تعليم وتعلم الأميين والأميات، وقد أتاحت معونات المنظمات الدولية فرصة للخبراء والمسئولين ومجالًا للانتفاع بما تقدمه من تلك المعونات.
روى لي أحد الثقات أن إحدى الهيئات العليا قد حصلت على معونة لإعداد وتنفيذ بعض البرامج لمكافحة أمية النساء تقدر بأكثر من 2 مليون جنيه مصري، واستهدف مشروع المعونة إعداد مجموعة من كتب التعلم في القراءة والحساب تتنوع مادتها بما يناسب مختلف البيئات، ووضع أدلة لتعليم الأميات وتدريب المعلمات من وزارة التعليم وخريجي الجامعات والمتطوعات من النساء المتعلمات، كذلك يتضمن المشروع عمليات تعليم النساء باكتساب مهارات جديدة تدر دخلًا إضافيًّا للأسرة، وإعداد وإنتاج وسائل تعليمية وعشرات من كتب القراءة لحديثي التعلم من النساء بما يثبت مهارات التعلم ويقدم لهن مادة قرائية مفيدة وممتعة.
أضف إلى ذلك: إنتاج بعض الحلقات التليفزيونية لتعليم النساء في منازلهن، وتحضيرًا لعمل مسلسل تليفزيوني كامل، وكان من المفروض أن يرتبط بهذا كله القيام باختيار مركز في إحدى المحافظات للقضاء على الأمية فيه قضاءً كاملًا، واستهدف المشروع في النهاية القضاء على أمية حوالي 200 ألف من النساء. ومع أن تلك الهيئة كانت قد قطعت شوطًا كبيرًا في إعداد آلاف من نسخ كتب تعلم القراءة والكتابة وبرامج الثقافة العامة وغيرها من المطالب الفنية لمحو أمية النساء في ذلك المشروع، وكان من المفروض أن تؤدي المعونة إلى استكمال الجهود السابقة، لكن إغراءاتها المادية الجديدة جعلتها تهدر جهودها السابقة وتوجه مسيرتها ومجاملاتها إلى الإنفاق في بحوث (علموية) كبيرة من فئة نصف مليون جنيه، حول برامج محو الأمية السائدة، وتحديد العوائق التي تحول دون إقبال النساء على تلك البرامج (كما لو أنها غير معروفة)، إلى جانب نصيب الجمعيات الأهلية في ذلك المجال، وأنفق قدر من المعونة على إجراء فصول تجريبية للتعرف على أحسن البرامج والوسائل لتعليم النساء الأميات.
وقد علق الراوي على ذلك الهدر في الموارد المحدودة لتعليم الأميات بقوله: ألم يتجمع لدينا منذ قرن ونصف من الزمان ما يكفي من المعلومات والخبرة عن محو أمية النساء؟ وهل ما زلنا في حاجة إلى تجارب؟ ويبدو أنك إذا أردت أن تتفادى المعالجة الجادة لأي موضوع في الميدان فعليك أن تلجأ إلى البحوث والتجارب في الأذهان، وأن تتفادى العمل في الميدان، وعلى أي حال فقد أوردت هذا المثال للدلالة على الحاجة الماسة لترشيد العمل في مجالات محو الأمية بصورة عامة حتى نتمكن من إسراع الخطى) (المصدر السابق، ص 118 - 120 بتصرفٍ يسيرٍ) .