ضوابط للترخص بشأن الجمعة والجماعة في وقت انتشار الأوبئة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمع انتشار عدوى فيروس "كورونا"، صدرتْ من عدة هيئات شرعية في عددٍ مِن البلدان الإسلامية فتاوى تجيز للسلطات اتخاذ إجراءات (منع) صلاة الجمعة والجماعة، وبالفعل صدرت القرارات التنفيذية في عددٍ كبيرٍ مِن البلاد العربية والإسلامية تتضمن هذا المعنى.
وتناقل النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو يدمَى لها القلب مِن مؤذنين تحشرجت حلوقهم وهم ينادون: "ألا صلوا في رحالكم"، ومِن أئمة أخذهم البكاء وهم يخبرون رواد مسجدهم أن هذه هي صلاتهم الأخيرة في المسجد إلى أجل لا يعلمه إلا الله، وما أبلغ ما قاله أحد أئمة العراق ردًّا على سؤال المصلين حتى متى؟ فقال: "حتى يرضى الله عنا!".
فنحن مع علمنا بآلية هذا الفيروس في النمو والانتشار، وكيف ينتقل مِن مصابٍ إلى آخَر، إلى آخِر هذه الأمور والتي يترتب عليها لزوم الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج؛ فإننا في ذات الوقت ندرك أن الله هو خالق الكون، ومدبره ومسيره، ونؤمن بأنه قد أخبرنا بأن سبب البلاء ذنوب بني آدم كما قال -تعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) .
وقال -عز وجل-: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (آل عمران:165) .
وقال العباس -رضي الله عنه- في استسقائه: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنبٍ، ولم يرفع إلا بتوبة".
وقد يتساءل البعض عن سرِّ هذا البكاء، وقد حدث في كثيرٍ مِن هذه البلاد التي أمرت السلطات المعنية فيها المؤذنين بأن ينادوا: "صلوا في رحالكم" عند نزول المطر، بل وربما كان ذلك في مطرٍ خفيفٍ عملًا بمذهب الإمام أحمد -رحمه الله-، والذي كان يبالغ في إعمال الرخصة الثابتة بالنص؛ عملًا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) ؟
والجواب: أن الفارق بين الحالتين ظاهر مِن عدة جهاتٍ:
الأول: أن: "صلوا في رحالكم في حالة المطر" كانت رخصة ولم يكن يخلو الأمر مِن آخذ بالعزيمة أو مِن جيران المسجد من يقوم بهذه الشعيرة.
الثاني: أنه غالبًا ما كان يطبَّق بالجمع بين المغرب والعشاء في المسجد، ثم قول: "صلوا في رحالكم" في آذان العشاء؛ لأنها صُليت جماعة بالفعل.
الثالث: أنه حتى لو ترخص به في كل صلوات اليوم فغالبًا ما يكون محدودًا مكانيًّا وزمانيًّا، فمن جهة المكان فقد جرت العادة ألا يعم المطر الكثير مِن المدن والقرى في آنٍ واحدٍ، ومن جهة الزمان فهي حالة استثنائية تنتهي بانتهاء سببها، بخلاف حالتنا تلك والتي لا يبدو فيها في الأفق إلى أي وضع سوف يستمر الوضع. نسأل الله أن ينعم على الأمة الاسلامية بفرجه القريب من هذا الوباء، وغيره من الأسقام.
والسؤال الآخر عن هذه الأمور السابقة: هل هي مجرد أمور تزيد مِن ألم المسلمين لفراق مساجدهم أم أنها اعتبارات شرعية تستوجب وضع مزيدٍ مِن الضوابط في هذه الفتوى؟
نعني أن قاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" لا يمكن إعمالها بمعزلٍ عن قاعدة: "الضرورة تقدر بقدرها"، ومِن ثَمَّ فإن الدرجة التي ثبت الدليل على أنها رخصة للمحتاج لا ينبغي أن تكون هي بعينها التي يمكن اعتبارها رخصة في "تعطيل شعيرة الجمعة والجماعة في المسجد"، وليس مجرد الإذن للأفراد بالرخصة في عدم حضورها، بل ربما (تحريم حضورها عليهم) في حق مَن يتأذى الناس بحضوره لصلاة الجماعة، وهذه نقطة في غاية الأهمية، وهو ما نريد أن نلقي عليه الضوء في هذا المقال.
ولستُ أريد أن أقرر هنا أنه لا سبيل إلى القول بجواز الفتوى برخصة أكثر اتساعًا من الرخصة الفردية في وقائع معينة، وإنما أريد أن أقرر: أن وجود النصوص التي تبيح للأفراد أو حتى تلزمهم في حالات معينة بعدم حضور الجماعة لا يجعل المسألة منصوص عليها بحيث نعمل بها آليًّا: "ألا صلوا في رحالكم"، والتي كان يمكن أن يوكل تقرير العمل بها إلى إمام من أئمة المساجد في القرى دونما حاجة إلى فتوى خاصةٍ، ولا إلى مجامع فقهية بخلاف حالة تعميم الرخصة زمانًا ومكانًا وحالًا؛ فضلًا عن نقلها بصورة أو بأخرى من حالة الرخصة إلى حالة الإلزام العام.
ولبيان ما ذكر نتعرض لعددٍ مِن الأمور على جهة الإيجاز:
أولًا: صلاة الجمعة والجماعة من شعائر الإسلام الظاهرة:
- قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (الحج:32) ، والشعائر جمع شعيرة، وهي المعلم.
- كلما كثرت الشعائر في العبادة كان ذلك أدعى لبقائها، وأقوى في دعوة الناس إليها؛ لأن الشعائر هي أعلام الدين الظاهرة، وظهور الشعائر في العبادة يدعو مَن يراها إليها.
- ولما كانت المساجد بيوت الصلاة، ويجتمع المصلون فيها لأدائها؛ كان أول عمل قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته للمدينة: بناء المسجد، ورتَّب ثوابًا جزيلًا على بناء المساجد، وأُثني على روادها في القرآن وفي السُّنة: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالغُدُوِّ وَالآَصَالِ . رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ) (النور:36-37) .
- والنداء للصلاة شعيرة معلنة تدل على وقت الصلاة ومكانها؛ ولذا كان مِن سنن الأذان أن يكون المؤذن قوي الصوت، وأن يصعد مكانًا مرتفعًا، وأن يرفع صوته بالأذان قدر ما يستطيع؛ ليبلغ صوته أقصى مكان ممكن؛ إعلانًا بشعيرة الصلاة، وجوزي على اجتهاده في رفع صوته بأن يشهد له كل شيء سمعه، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه مسلم) ، وهذا الثواب لهم؛ لأنهم أعلنوا شعائر الله -تعالى-، وبلَّغوا بها أقصى الأماكن.