ضوابط للترخص بشأن الجمعة والجماعة في وقت انتشار الأوبئة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
- ولما كثر المسلمون، واتسعت الأمصار؛ اتخذت المآذن للمساجد؛ ليستدل الناس بها على مواقعها، ولكي يعتليها المؤذنون وقت النداء لتبلغ أصواتهم أقصى مكان، فصارت المآذن مشاعر للمساجد تدل عليها، ويُعرف الإسلام بها
- والمشي إلى المسجد شعيرة، كما أنه سبب لأداء شعيرة الصلاة؛ فمع كونه مشيًا إلى طاعة، فلا عجب أن ترتب الأجور العظيمة على المشي إلى المساجد من تكفير الخطيئات، ومحو السيئات، ورفع الدرجات، واكتساب الحسنات؛ ففي ذلك إظهار شعائر الإسلام، وهو مِن أعظم مقاصد الشرع، ومِن أهم أسباب حفظ الدين والدعوة إليها؛ فالأمة لا يضيع دينها إلا حين تُترك شعائرها. (بتصرفٍ مِن مقال: "عمود الإسلام - شعائر الصلاة") .
وأما صلاة الجمعة: فأمرها أشد؛ لكونها العيد الأسبوعي للمسلمين، وقد بالغ الشرع في شأنها، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (الجمعة:9) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ ) (رواه مسلم) .
ثانيًا: أعذار التخلف عن صلاة الجماعة الوارد ذكرها في الشرع كانت فردية، ولم يرد في نصوص الشرع ولا في تطبيق السلف الإيقاف أو المنع أو الإغلاق للمساجد:
وهذا الأمر جلي واضح في كلام أهل العلم في ذكر كل هذا الأمور، تحت عنوان: "أعذار التخلف عن صلاة الجماعة"، ولعل هذا الأمر يتضح بجلاء بمطالعة باب: (هَلْ يُصَلِّي الإِمَامُ بِمَنْ حَضَرَ؟ وَهَلْ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي المَطَرِ؟) من صحيح البخاري، ومن شروحه: كفتح الباري.
وقد أورد فيه البخاري -رحمه الله- أثرَ عبد الله بن الحارث قال: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدْغٍ، فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ لَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: قُلْ: "الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ"، فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَكَأَنَّهُمْ أَنْكَرُوا، فَقَالَ: كَأَنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ هَذَا، "إِنَّ هَذَا فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي" -يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِنَّهَا عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ"، وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "كَرِهْتُ أَنْ أُؤَثِّمَكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إِلَى رُكَبِكُمْ".
قال ابن حجر -رحمه الله-: "قَوْلِهِ فِيهِ: (فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) لَمَّا أَمَرَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يَقُولَ الصَّلَاةَ فِي الرِّحَالِ؛ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَضَرَ وَبَعْضَهُمْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَعَ ذَلِكَ خَطَبَ وَصَلَّى بِمَنْ حَضَرَ).
وقد أورد البخاري في الباب: صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسجوده في ماء وطين في رمضان؛ ليبين أن صلاة الجماعة كانت تُقام، وكان الإمام يأخذ بالعزيمة ويصلي بمن حضر، أو ربما قيدت الرخصة بمن بعدت داره عن المسجد.
نعم، بعض هذه الرخص ليست رخصة، وإنما هي منع من حضور الجماعة، مثل مَن أكل بصلًا أو كراثًا وما ألحقه العلماء بهما مِن كل مَن تلبس بشيء يؤذي المصلين، ولكن يبقى هذا المنع موجهًا للشخص الذي تلبس بهذا، وليس منعًا للجماعة؛ ولعل أبرز الأمثلة التي يكون فيها الأمر ليس مجرد رخصة، بل منع؛ هو المصاب بمرضٍ معدٍ، وهو ما نتعرض له في النقطة التالية.
ثالثا: أثر المرض المعدي في حضور الجمعة والجماعات: (نقلًا من كتاب الفقه الميسر أ. د. عَبد الله بن محمد الطيّار، أ. د. عبد الله بن محمّد المطلق، د. محمَّد بن إبراهيم الموسَى).
جاء في كتاب الفقه الميسر ما نصه:
"أثر المرض المعدي في حضور الجمعة والجماعات
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يمنع المريض بمرض مُعْدٍ من المسجد وحضور الجمعة والجماعات، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية (مواهب الجليل (2/ 184)، حاشية الدسوقي (1/ 389)، التاج والإكليل (2/ 556)، نهاية المحتاج (2/ 160)، مغني المحتاج (1/ 476)، أسنى المطالب (1/ 215)، مطالب أولي النهى (3/ 699).، وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة منها:
1- حديث: ( لاَ عَدْوَى وَلاَ طيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ) (رواه البخاري) ، ووجه الاستدلال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن مخالطة المريض بمرض معد للأصحاء؛ لئلا يكون قدَّر الله على المختلط به مثل دائه، وحضور المريض لأداء الصلوات جماعة مظنة لهذا الاختلاط.
2- حديث: ( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) : حيث إن المصلين يتأذون من المريض المصاب بمرض معد أشد من تأثرهم بمن يأكل البصل والثوم، وقد أمرهما النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن لا يقربا المسجد.
القول الثاني: لا يمنع المريض بمرض معد من المسجد وحضور الجمعة والجماعات: كصلاة العيد، وأداء الحج والعمرة، وهو قول عند المالكية (مواهب الجليل (2/ 184)، حاشية الدسوقي (1/ 389).
واستدلوا: بالأثر الذي رواه مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه مرَّ بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت، فقال لها: يا أمة الله، لا تؤذي الناس، لو جَلَسْتِ في بيتِكِ! فجَلَسَتْ، فمر بها رجل بعد ذلك قال لها: إن الذي كان نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: "ما كنت لأطيعه حيًّا وأعصيه ميتًا".
وجه الاستدلال به: أن عمر -رضي الله عنه- لم يعزم عليها بالنهي عن الطواف ودخول البيت، وإنما خاطبها على سبيل الرفق من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.