شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضوابط للترخص بشأن الجمعة والجماعة في وقت انتشار الأوبئة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية

القول الثالث: تسقط عنهم صلاة الجمعة والجماعات إذا لم يجدوا موضعًا يتميزون فيه عن الناس، وأما لو وجدوا وجبت عليهم ومنعت المخالطة، وهذا أحد الأقوال عند المالكية (مواهب الجليل (2/ 184)، حاشية الدسوقي (1/ 389)، الطرق الحكمية، (ص: 279).

واستدلوا: بأنهم يُمنَعون من حضور المسجد لتضرُّر الناس بهم، فإذا وجدوا مكانًا يصلون فيه ولا يلحق ضررهم بالناس، فإن الجمعة والجماعات واجبة عليهم.

الرأي الراجح: وبعد عرض هذه الأقوال، الذي يظهر لنا -والله تعالى أعلم- رجحان قول أصحاب الرأي الأول في منع المريض بمرض معد كالأنفلونزا وغيرها من حضور المسجد والجمعة والجماعات، مظنَّة لنقل العدوى وتفشَّي الوباء بين الناس، فتحصل لهم الضرر الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ ).

ويمكن أن يستدل أيضًا لهذا القول بما أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه: أنه كان هناك رجلٌ مجذومٌ في وفد ثقيف الذي جاء مبايعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجعْ )، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يمنع هذا الرجل من دخول المسجد فحسب، بل منعه من دخول المدينة حماية لها من الوباء. (انتهى من الفقه الميسر) .

ويمكننا في مثل أحوال الامراض التي عرفنا أنه لها علامات أو أعراض أولية تشير إلى احتمال الإصابة بها أن نضيف: المشتبه فيه بإصابته يلزم هو الآخر بعدم ارتياد المساجد، ولا يعد هذا توسعًا كبيرًا؛ لأن الأمر سيظل في نطاق الفتوى الفردية مع بقاء الشعيرة ظاهرة، ومِن ثَمَّ يؤجر هذا الذي أفتي بترك الجماعة بنيته، ويبقى للمجتمع شعائره ومعلم دينه ظاهرًا.

رابعًا: ضوابط لبحث نازلة الفتوى بمنع الجمعة والجماعة:

الأول: ينبغي ألا نخلط بين الرخصة الفردية وبين المنع العام، وأن نعامل المنع العام بأنه طلب تطلبه بعض الجهات الطبية، وهو من الناحية الشرعية نازلة كبرى تحتاج إلى بحثٍ وتؤدة؛ لما فيه مِن إيقاف أبرز شعائر الإسلام، ولأجل غير معلوم.

الثاني: ألا يُفتَى بالمنع في حالات ورد الشرع فيها بمجرد الرخصة للمحتاج؛ لأنه سيكون إعمال للرأي في مواجهة النص.

الثالث: أنه لا مجال لبحث مسألة المنع أصلًا؛ إلا في الحالات التي يزداد ضررها عن الحالات التي اكتفى الشرع فيها بالرخصة الخاصة لمن يحتاج.

الرابع: أن هذا الضرر الزائد يجب أن يوازن بينه وبين المصالح التي تفوت على الناس فيما سيُفتى بالمنع منه؛ وهذا لقاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح في حالة إذا استويا في الدرجة"، ولا يعقل مثلًا أن تدرأ المفسدة اليسيرة المظنونة بترك المصلحة الكبيرة القطعية.

الخامس: التدرج في المنع على درجاتٍ بحسب درجة انتشار المرض وضرره المتوقع:

الأولى: منع المريض بمرضٍ معدٍ من حضور الجمع والجماعات.

الثاني: يحتمل أن يضاف إليه: المريض الذي ظهرت عليه أعراض مرض مشابه أو علامات مبدئية حتى لا يدخل الشك لدى المصلين.

الثالث: كالثاني، مع زيادة ندب المصلين من غير هذين الصنفين باتخاذ تدابير احترازية: كالإكثار من غسل الأيدي وكلزوم استعمال الصابون في غسلها، وتنظيف فرش المسجد وحسن تهويته أو اتخاذ كل مصلٍّ لمصليته الخاصة بحسب المرض المنتشر أو لو وصل الأمر إلى إلزام المصلين بلبس الكمامة (هذه النصائح قد تختلف من مرض إلى آخر، وهذه المذكورة هنا مناسبة للكورونا على وجه الخصوص؛ لأنه المنتشر الآن).

الرابع: كالذي قبله مع جعل هذه الأمور إلزامية.

الخامس: تقييد كثافة المصلين بعدد ما، لكل متر مربع، وفتح جميع الزوايا والمصليات لتخف كثافة المصلين.

السادس: منع النساء والأطفال ممن لا تجب عليهم الجمعة من حضورها، واستعمال المساحة المخصصة لهم للرجال لتقليل الكثافة.

وفى كل الأحوال يجب أن يُراعى أنه طالما بقيت اجتماعات ما مأذون بها بكثافة معينة، فيمكن بقاء أداء صلاة الجمعة والجماعة مع اتخاذ تدابير تضمن نفس الكثافة في المساجد.

خامسًا: نصيحة عملية للمصلين في كل مكان:

درجة الخطر والتدابير الاحترازية يقدرها الأطباء وبينهم درجات متفاوتة من الاختلاف، ثم يرفع الأمر إلى الجهات المسئولة عن الفتوى فتقرر ما تراه باجتهادها، وأيًّا ما يكن من مناقشة فهي مناقشة علمية ومحاولة للمساهمة في البحث بأي صورةٍ من الصور، ولكنك في النهاية إما أنك تعيش في بلدٍ اُتخذت فيه إجراءات غلق المساجد، وإما أن تكون البلد لم تتخذ هذا الإجراء بعد.

وهذه نصيحتنا في كل حالة من هذه الحالات:

أ- البلاد التي ما زالت تقيم الجمعة والجمعة:

لا شك أن من أعظم نعم الله على أي مجتمع أن تبقى المساجد مفتوحة، وصلاة الجماعة والجمعة مقامة، ومن هذه البلاد التي أنعم الله عليها بهذا: "بلادنا مصر"؛ قلب الأمة الإسلامية النابض، وهذه نعمة لا بد لها من شكر خاص.

ويجب مع هذا:

1- نشر فتوى منع المرضى والمشتبه بهم من إتيان الجماعة، وبيان أن هذا الامتناع في حقهم واجب.

2- حرص رواد المسجد على النظافة الشخصية إلى أقصى حدٍّ، والحرص على عدم تناثر أي رذاذ منه بألا يكح ولا يعطس إلا في منديل أو في كمه.

3- تعاون رواد المسجد على تنظيفه ورشه بالمطهرات.

4- تنظيم الكثافة بين مساجد الحي الواحد حتى لا يحدث زحام في أي منها.

5- الإلحاح في الدعاء والضرع: ألا يحرمنا الله -تعالى- من نعمة الجمعة والجماعة.

6- الدعاء الخاص لكل مَن ساهم في قرار بقاء المساجد مفتوحة، وكل من يقوم على رعايتها بتنظيفها أو إقامة الشعائر فيها من الأئمة والوعاظ، وعمال النظافة، وإخوانهم من المتطوعين الذين يشاركونهم الأعباء الزائدة عليهم.

ب: البلاد التي اتخذ فيها قرار المنع:

عندما نرى بكاء إخواننا المؤذنين والأئمة في كثيرٍ مِن البلاد، وهم يبدأون إجراءات منع الجمعة والجماعة لا نملك إلا أن نعزيهم في مصابهم، وأن ندعو الله أن يرزقهم أجر تلك الأعمال التي حرموا منها، ونسألهم أن يلحوا في الدعاء أن يفرِّج الله عنهم بلاء منع الجمعة والجماعة، وأن يدعوا لإخوانهم في البلاد الأخرى أن يستعملهم الله في بقاء تلك الشعائر ظاهرة، ولو في بعض بقاع الأمة الإسلامية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية