شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (49) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (1-6)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فرغم أن مصر قد عَرَفَتْ نظام التعليم الحديث منذ أكثر مِن قرنين مِن الزمان، فإن العملية التعليمية في مصر اليوم تعاني من جوانب سلبية كثيرة وخطيرة هبطت بها إلى درجة سيئة للغاية تحتاج معها -وقبل فوات الأوان- إلى جهودٍ كبيرةٍ وجادة؛ لانتشالها من الحالة التي تردت إليها.

لقد كانت مسئولية التعليم في مصر حتى بداية القرن التاسع عشر الميلادي من الشئون الدينية من خلال الكتاتيب والمساجد والجامع الأزهر، ولم تتحمل الدولة مسئوليات التعليم إلا بعد تولي "محمد علي" ولاية مصر حيث اهتم بالتعليم من أجل تحقيق طموحاته وتأسيس دولته، فأدخل في مصر منذ عام 1820م نظامًا جديدًا للتعليم؛ حيث أنشأ العديد من المدارس الحديثة على الطريقة الأوروبية محدثًا نقلة علمية نوعية في المجالات العسكرية والزراعية والصناعية والطبية، ولكن مع انكسار طموحاته في التوسع بتوقيع معاهدة لندن 1841م تراجعت جهوده التي ابتدأها.

وقد استمر الحال على ذلك في عهد مَن جاء بعده مِن الأسرة العلوية باستثناء الخديوي إسماعيل، وكان هذا التعليم الحديث في تلك الفترة تتحمله الدولة، لكنه كان قاصرًا على قلة من الشراكسة والأعيان بينما استمر التعليم في الجامع الأزهر متاحًا للجميع.

وخلال الاحتلال البريطاني لمصر فرضت المصروفات على التعليم الحديث، والذي كانت غايته إعداد موظفين وكوادر لتسيير إدارة الحكم الإنجليزي للبلاد، وقد ظهرت إلى جانب هذا التعليم الرسمي الذي تتولاه سلطة الاحتلال مدارس للتعليم الخاص بجهود بعض فئات المجتمع التي آثرت أن يتعلم أطفالها تعليمًا عربيًّا إسلاميًّا، إلى جانب ظهور مدارس خاصة أجنبية فرنسية وإيطالية.

وبعد إعلان الملكية جاءت المادة (19) في دستور 1923م لتعلن الانطلاقة الأولى نحو التعليم الإلزامي للمصريين بنين وبنات بالمجان؛ فأصبح التعليم بمقتضى (قانون التعليم الإلزامي) إلزاميًّا مجانيًّا في المدارس الإلزامية التي بدأت الدولة في إنشائها، بينما ظل نظام التعليم الحديث (الابتدائي والتجهيزي والجامعي) بالمصروفات تؤمه أعداد محدودة من أبناء كبار الملاك الزراعيين، والتجار، وكبار موظفي الحكومة.

وفي عام 1944م أصدرت وزارة نجيب الهلالي الوفدية قانون مجانية التعليم الابتدائي في المدارس الحكومية في المدن مع بقاء التعليم الإلزامي في القرى.

وفي عام 1951م أصدر "طه حسين" -وكان وزيرًا للمعارف- قانون مجانية التعليم الثانوي.

وبعد ثورة يوليو 1952م جاء في دستور 1952م في المادة 48 أن التعليم حق للمصريين جميعًا تكفله الدولة بإنشاء مختلف أنواع المدارس، وفي المادة: 50 أن الدولة تتولى التعليم في مراحله المختلفة في مدارس الدولة بالمجان.

وفي عام 1961م أعلن عن مجانية التعليم العالي والجامعي كحق من حقوق المواطن في المجتمع الاشتراكي، وأكد دستور 25 مارس 1966م على مجانية التعليم الجامعي في المادة 39، فصار التعليم الحكومي في مختلف مراحله بالمجان إلى اليوم، وكانت الجامعة الأهلية التي تأسست عام 1908م قد تم ضمها لوزارة المعارف عام 1925م، وتم إنشاء ثلاث جامعات جديدة بعدها هي جامعة الإسكندرية وعين شمس وأسيوط، ولم تشهد مصر حتى عام 1987م أية جامعات خاصة أو أجنبية باستثناء الجامعة الأمريكية.

التعليم الخاص والأجنبي:

عرفت مصر التعليم الخاص منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ولكنه كان تحت إشراف الدولة، وجاء ظهور التعليم الخاص لأسبابٍ مختلفةٍ: كإتاحة الفرصة لمَن لم تمكنهم ظروفهم من الالتحاق بالمدارس الحكومية، أو في إطار توجهات وطنية خلال الاحتلال البريطاني؛ هذا إلى جانب المدارس التي أنشأتها الهيئات الأجنبية وخصصتها لأبناء موظفيها في السلك الدبلوماسي، فالتحق بها بعض أبناء العائلات المصرية ذات الثروة والنفوذ، وهي مدارس خارج إشراف الحكومة.

وبعد قيام ثورة يوليو 1952م أخضعت الدولة إنشاء وإدارة المدارس الخاصة لقوانين خاصة بها كمنشأة غير حكومية تقوم بالتعليم والإعداد المهني والفني قبل المرحلة الجامعية، مع استبعاد دور الحضانة منها؛ إذ تشرف عليها وزارة الشئون الاجتماعية (وزارة التضامن الاجتماعي حاليًا).

كان الهدف من المدارس الخاصة المعاونة في مجال التعليم الأساسي والثانوي (العام والفني) وفق الخطط والمناهج المقررة في المدارس الرسمية المناظرة، ولكن فيما بعد سمح لتلك المدارس الخاصة بالتوسع في دراسة لغات أجنبية بجانب المناهج الدراسية المقررة، وقد كانت هذه المدارس الخاصة ملجأ للطلاب الذين لم تتح لهم فرصة استكمال التعليم في المدارس الحكومية؛ إما لرسوب متكرر، أو لارتفاع أعمارهم السنية، أو لعدم وجود مدارس حكومية قريبة من سكن البعض، وكانت مصروفات المدارس الخاصة تحدد بإشراف وزارة التعليم أو المحافظين، وكانت متواضعة لتواضع مبانيها ومعلميها وأنشطتها، ولم يكن الالتحاق بها رمزًا من رموز التمايز الطبقي في التعليم، بل كان الطلب أكثر على المدارس الحكومية لجودة التعليم فيها عن المدارس الخاصة.

وقد تقلصت المدارس الأجنبية بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م حيث وضعت المدارس الإنجليزية والفرنسية تحت الحراسة، وعهد بها إلى هيئة المعاهد القومية عام 1957م والتي تملكتها وأنشأت مدارسها التعاونية القومية في بعض المدارس الكبيرة، وقد تدنت مكانة الجامعة الأمريكية ولم يتم الاعتراف بشهادتها، فلم يبقَ من التعليم الأجنبي إلا بعض المدارس الإيطالية والألمانية واليونانية والمدارس الكاثوليكية التي يشرف عليها الفاتيكان.

الصفحة التالية