خطورة البدع على المجتمع
رجب أبو بسيسة • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فانتشار البدع في المجتمع ينقله مِن التدين الحقيقي المعروف بأصوله: (القرآن والسُّنة بفهم السلف الصالح) إلى طُرُق الضلال في العلم والعمل، ومِن ثَمَّ ينقله إلى مزيدٍ مِن الانحطاط، ويبتعد بأفراده أكثر عن طريق العودة للاستقامة والرشاد.
والبدعة هي طريقة مخترعة في الدين تضاهي الطريقة الشرعية، ويقصد بها التعبد إلى الله عز وجل، وهذا هو خطرها الحقيقي؛ أي: أن صاحب البدعة يظن أنه يفعل عبادة، فيكون قد شرَّع للناس ببدعته تلك شريعةً ساوت شريعة الله؛ لذا عدَّها العلماء أكبر من الكبائر.
ولذلك أيضًا: فأهل العلم في كل زمان ومكان يحذِّرون الناس مِن مغبة البدع والخرافات في الدين؛ حتى وصل بهم الأمر إلى أن قالوا: مَن ذهب لصاحب بدعة يوقره ويعظمه، فقد ساعده على هدم الإسلام.
وأقرب مَثَلٍ للبدع: أنها مِثْلُ العملة المزيفة في الأسواق؛ تفسد على الناس أموالهم، وتجاراتهم، وتغشهم، وهم يحسبون أنهم يربحون ويكسبون، وفي آخر النهار يظهر لهم أنهم مغبونون، مخدوعون! كذلك البدع تفسد على الناس دينهم وتزيف عقائدهم وشريعتهم فلا تهديهم للصواب، فيحسب المرء أنه على شيء وهو في الحقيقة ليس كذلك.
عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) .
ومِن شروط قبول العمل الصالح عند الله -عز وجل-: الإخلاص، واتباع السُّنة، فالبدعة ضد السنة، وما أحدث الناس بدعة إلا وأماتوا سنة.
وإحياء السنة عبادة عظيمة وقربة جليلة، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) (رواه مسلم) .
وبعض المارقين عن الفهم الصحيح يستدلون بهذا الحديث استدلالات خاطئة، فيجعلونه دليلًا على جواز إضافة أمور مبتدعة ليست مِن الدين يستحسنونها بأفهامهم، لكن كما بيَّن أهل العلم أن معرفة سبب نزول الآية يبين تفسيرها على الوجه الصحيح؛ فكذلك معرفة سبب ورود الحديث يبيِّن معناه على وجهه الصحيح.
وهذا الحديث له قصة معروفة ذكرها جرير بن عبد الله راوي الحديث نفسه، وهي أن قومًا جاءوا النبي -صلى الله عليهم وسلم- وكانوا فقراء، فحض النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس على الصدقة فلم ينتبه أحد إلا رجل قام إلى بيته، وجاء بسرة كبيرة ووضعها بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ففطن الناس لذلك، فكثرت الصدقات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ... )، فالمقصود: مَن أحيا سنة مِن الإسلام غفل الناس عنها؛ فله من الأجر كذا وكذا... وليس المعنى المقصود مَن سَنَّ بدعة أو جاء بأمرٍ زائدٍ عن الدين.
والبدعة نوعان: إضافية وأصلية:
فالأصلية: يقصد بها زيادة عبادة أو طريقة للعبادة لا يوجد لها أصل في الشرع، فلم تكن موجودة أصلًا زمن التشريع، مثل: الموالد واتخاذ القبور مساجد، وإقامة الأضرحة والقباب على القبور، وغيرها.
أما الإضافية: فهي أن تكون العبادة لها أصل في الشرع، ولكن يؤديها صاحبها بطريقةٍ مخالفةٍ لما وردت به في الشرع مثل الأذكار الموظفة؛ فهي لها أصل في الشرع، ولكن البعض يفعلها بطريقةٍ لم ترد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في موقف أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- حينما جاء إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- وقال له: يا أبا عبد الرحمن إني رأيتُ في المسجد آنِفًا أمْرًا أَنْكَرتُه، ولم أَرَ والحمدُ لله إلّا خيرًا. قال: فما هو؟ قال: إن عِشْتَ فستراه، قال: رأيتُ في المسجد قومًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حَصًى، فيقول: كبِّروا مائة، فيكبّرون مائة، فيقول: هلِّلُوا مائة، فيهلِّلون مائة، ويقول سبِّحوا مائة، فيسبّحون مائة. قال: فماذا قلتَ لهم؟ قال ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيك أو انتظار أَمْرك. قال: أَفَلَا أَمَرْتَهُم أن يعدُّوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم؟ ثم مضى ومضينا معه حتى أَتَى حلقة مِنْ تلك الحِلَق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدُّوا سيئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويْحَكُم يا أُمّةَ محمد، ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيّكم -صلى الله عليه وسلم- متوافِرُون، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنِيَته لم تُكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لَعَلَى مِلّة هي أَهْدَى من ملة محمد أو مُفْتَتِحُو بابَ ضَلَالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أَرَدْنَا إلا الخير! قال: وكم مِنْ مُرِيدٍ للخير لن يُصِيبَه!
مضار البدعة وأثرها على صاحبها:
1- عدم قبول عمل المبتدع:
فمعلوم أن مِن شروط قبول الأعمال: الإخلاص لله في القصد والنية، ومتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أي: أن يكون العمل موافقًا للشريعة ليس مخالفًا لها.
2- عدم توفيق المبتدع للتوبة:
كما جاء في حديث أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حجز -أو قال: حجب- التوبة عن كل صاحب بدعة". صححه الألباني بشواهده.
3- الطرد عن حوض النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-، فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، فَمَنْ وَرَدَهُ شَرِبَ مِنْهُ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهُ أَبَدًا، لَيَرِدُ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي ) (متفق عليه) .