شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

خطورة البدع على المجتمع

رجب أبو بسيسة • المنهج السلفي

آثار البدعة على الدِّين والمجتمع:

1- إماتة السنة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "ما يأتي على الناس مِن عام أحدثوا فيه بدعة وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدعة وتموت السنن".

2- أيضًا التفرق والاختلاف، وما ينتج عنه من العداوة والبغضاء: وقد نهانا الله -سبحانه وتعالى- عن التفرق والاختلاف، فقال -تعالى-: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (آل عمران:105) .

3- الوقوع في الفتن: قال -تعالى-: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) ، أي: فليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته، وسنته وشريعته؛ فالأعمال والأقوال إنما توزن بأعماله وأقواله -صلى الله عليه وسلم-؛ فليحذر وليخشَ مَن خالف شريعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- باطنًا أو ظاهرًا أن تصيبهم فتنة، أي: في قلوبهم مِن كفر أو نفاق أو بدعة أو يصيبهم عذاب أليم، أي: في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك.

والغرض المقصود: أن البدعة شرٌّ كبير على الناس والدين والمجتمع، وصدق -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

نظرة في الواقع المحيط:

والشيء بالشيء يذكر... ففي هذه الأيام التي تعاني فيها دول العالم وتحترز أشد الاحتراز من فيروس كورونا، تطل علينا بعض البدع والخرافات التي -وللأسف- يصدقها بعض الناس!

فمن هذه الخرافات: خرافة الشعرة في المصحف، فقد انتشرت في هذه الأيام قصة عن فتاة تقول: إنها رأت النبي -صلى الله عليه وسلم- في رؤيا يقول لها: "مَن وجد شعرة في سورة البقرة فقد نجا"، أي: ينجو من فيروس كورونا!

فهذه القصص وأمثالها خرافات، وبدع ما أنزل الله بها من سلطان.

فننصح الناس بعدم الانسياق خلف هذه الخرافات، والبدع، والكلام الباطل، وأن نتبع سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لاسيما وأن لنا في النبي -صلى الله عليه وسلم- الأسوة الحسنة.

ويجب على كل مسلم ومسلمة أن يعتصم بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- التي ثبتت عنه وتوارثناها عن الصحابة والتابعين والعلماء، ففي الوحيين النجاة، ونحن لا نأخذ ديننا من الأحلام والرؤى، بل نأخذه من القرآن والسُّنة بفهم السلف الصالح.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه البخاري) .

فالإنسان العاقل المتزن الذي يفهم دينه لا ينتبه لمثل تلك الرؤى والأحلام التي يخترعها الناس أو يمليها عليهم الشيطان، وما من مسلم يتعاهد القرآن ويقرأ في مصحفه إلا ويتطاير من رأسه بعض قصاصات الشعر، فإذا صدق أحدنا تلك الرؤيا المبتدعة ووجد شعرة قَدَرًا، قد يظن أن الرؤيا حقيقية! وليس الأمر كذلك.

فالرؤى والأحلام ليست مصدرًا من مصادر التشريع، ولا مصدرًا من مصادر الأخبار؛ هذه عقيدتنا، فلا ننساق خلف هذه الأشياء.

ومِن هذه الأمور أيضًا التي تدخل في حيز البدع: اجتماع الناس للذكر والدعاء الجماعي لرفع الوباء، وقد أساء بعض طلبة العلم الفهم في هذا الموضوع، وذهب يستدل بأدلة عامة على جواز هذا الفعل، ولكن أريد أن ألفت النظر إلى أنه مِن السهل أن تورد أدلة من القرآن والسنة تكون حمالة وجوه، ولكن عند التحقيق تجد وجه الاستدلال لا يستقيم في المسألة، فقد يستدل المجوِّز لهذا الأمر بحديث: ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، وبعض الناس أخذ هذه الفتوى وخرج في الطرقات يكبِّر تكبيرًا جماعيًّا، وبصوتٍ مرتفعٍ في صورة مظاهرات، فوقع في محظورٍ أشد، وهو الاجتماع الذي أُمرنا بعدم فعله؛ لنحد مِن انتشار الوباء.

ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القائل هذا الكلام قد علم ما لم نعلم، ومع ذلك لم يخرج ليجأر في الطرقات، ثم الصحابة حدثتْ معهم مثل هذه الأوبئة، وأشد مِن ذلك -طاعون عمواس مثلًا- ولم يخرجوا ليجأروا في الطرقات، بل كان السلف يلتزمون بيوتهم؛ يدعون الله، ويتوسلون إليه بالصلاة والصيام والمناجاة.

حتى وإن كانت الأدلة العامة تؤيد بعض الصور في بعض الجزئيات؛ فلا بد أن تنزل منزلتها من الفتوى، ولا تلقى الفتاوى هكذا جزافًا، فيتعامل معها العوام على غير هدى ولا سنة.

ومِن هذا الجانب: ينتشر أمر آخر على مواقع التواصل، وهو ما يسمى بتحدي الاستغفار، وتحدي التكبير، والإشارة إلى الأصدقاء لبداية الحملة، ومثل هذه الأمور.. !

فهل هذا كان مِن هدي السلف؟!

وأين عبادة السر؟!

وأين إخفاء العمل لزيادة الأجر؟!

وهل أَمِن الإنسان بهذا الفعل على نفسه من الرياء وخطورته؟!

نعم، قد تنصح أخاك بالعبادة مِن باب: "هيا بنا نؤمن ساعة"، لكن على سبيل المرة وعلى سبيل النصح الذي لا يتطرق إليه الرياء، لا أن تجعلها مباراة وتحديًّا، وتتحول العبادة عن مسارها الصحيح من استحضار القلب والتذلل والخشوع، ورجاء التوفيق لها حال أدائها، ورجاء القبول بعد أدائها، فانتبهوا يا شباب لفقه التعامل مع الله، والتعبد الصحيح بما شرع.

ومن ناحية أخرى: يخرج بعض الطيبين على إخوانه ناهيًا لهم عن إشاعة الأمل وبث روح التفاؤل بقوله: (دعهم يخافون)!

ولماذا نترك الناس في الخوف الذي يؤدي إلى القنوط والهلع؟!

لماذا لا نتخذ بين ذلك سبيلًا؟!

إن الناس بالفعل في رعبٍ شديدٍ، وحدث لهم الهلع والذعر؛ فلا بد مِن إظهار جانب الرحمة؛ كي لا يقنط الناس من رحمة الله، فلا إفراط ولا تفريط.

الصفحة السابقة الصفحة التالية