شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (50) الجوانب السلبية في العملية التعليمية (2-6)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(فلقد شهدت مصر خلال تاريخها الحديث منذ أيام "محمد علي" مؤسس الدولة الحديثة نظمًا تجسدت في مزيجٍ مِن حكم يقوم على السلطة الأبوية والأوتوقراطية والبلوتقراطية، نجم عنها تقييد حرية الإنسان المصري، وجعلته معوقًا لا يتمتع بحرية الحركة والمبادأة، والمبادرة والفعل، قليل الثقة في نفسه)، (وشاعت مظاهر الفساد واضطراب القيم، ليظل هاجس السكون والخوف ملبِّدًا أجواء الحياة بسحاباته القاتمة ونذر رعده؛ مما أحدث كثيرًا من التوترات والاختناقات في حياة الأفراد والجماعات.

ونجم عن ذلك: إسناد التخلف وإسقاطه على عوامل خارج الذات مصحوبًا بالمطالبة بالحقوق دون الوفاء بأداء الواجبات، ثم إن مخاطر الاستبداد لا تقتصر على أفاعيله الظاهرة من مختلف صور القهر والتعسف، لكنه يسعى في كثيرٍ من الأحيان إلى أفاعيل من الدهاء والتزييف والتبرير وخلق الأوهام الطوبائية أو المرعبة أو الشعارات المزيفة، وهو بهذا يهدهد أو يسكر أو يبهر أو يخادع أو يميع أو يشغل هموم الشعب بقضايا تافهة، وبذلك يستهدف إهدار رغبته وقدراته على المشاركة، بل على المقاومة والنهوض، وبوعي أو بدون وعي يستبطن الشعب مخدوعًا بهذه الوعود والهواجس والمخاوف ليصبح الشعب ذاته -بعضه أو معظمه- مِن عوائق التجديد والتغيير).

(إن مثل هذه الأفاعيل لا تخدم إلا نظام الانفراد بالسلطة، ولا تفرز إلا تهميش الدور الحقيقي لسائر قوى المجتمع، وقد يرفع شعارات عن الحرية والديمقراطية مما تسكن نصوص القوانين والقرارات، لكنها لا تسكن الحياة الحقيقية للأفراد ومنظماتهم وللمجتمع كله، ولهذا الأسلوب المزيف انعكاساته في عديدٍ مِن الإصلاحات والإجراءات في التعليم، ظاهرها للجودة وباطنها للحودة عن الطريق المستقيم!).

وعلينا أن نحطم مصادر الخوف، وأن نعلن أن مصر جديرة بحياة وآليات نظم ديمقراطية بدأت تتأسس مرحلة مرحلة؛ لقد تحررنا من الصمت والخوف إلى ممارسة حقنا في المشاركة الديمقراطية لتأسيس حياة كريمة، ومع هذا الإطار الديمقراطي المجتمعي علينا ألا نتأخر أو نتردد في إرساء وإقامة نظام تربوي ديمقراطي أصيل يعلن حق التعليم المتميز للجميع... تعليم ديمقراطي في مجتمع ديمقراطي.

(إن طريق السياسات التربوية خلال العقود الخمسة الماضية ظلت خاضعة أسيرة تحجمها الضغوط السياسية وتحدد مساراتها من حيث الإذعان الصارم لسياسة الحكم ومصالح السلطة الحاكمة ورفاقها من أصحاب المصالح من التجار والرأسماليين، ومِن ثَمَّ كان من العسير تطور التعليم الحكومي الذي كانت مشكلات تجمده الأكاديمي مجالًا للنقد الذي تم قبوله والتسلي بأوضاعه المتخلفة والمهترئة.

ومن مظاهر ذلك: أن أصبح التعليم باللغة العربية تعليمًا للفقراء ومحدودي الدخل، ونما التعليم الخاص بلغته الأجنبية في مدارسه وجامعاته نموًّا كميًّا وكيفيًّا تطمئن له الطبقات الثرية في تعليم أبنائها وبناتها، بل وسياسات التخفيض من إتاحة القبول في التعليم العالي، وغَدَا التعليم الحكومي تعليمًا في الدروس الخصوصية من خلال التلقين والحفظ في امتحانات نمطية).

(وتكاثرت الإصلاحات التي جرت عليه، وليس لها أي تأثير في جسم التعليم وإنعاشه، كما لو أنها من قبيل ذر الرماد في العيون، وامتد بؤس التعليم إلى الجامعات بحرمان طلابها من حق الانتخاب الحر للجان اتحاد تشرف عليه أجهزة الأمن، فرؤساؤها من قيادات الحزب الوطني، وكتب أساتذتها عن مجد النظام في السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية.

وخلاصة الخلاصة: أن الطبقة الحاكمة قد هيئت لأبنائها وبناتها تعليمًا متميزًا وفرص عمل وفيرة وثرية)، (لقد تعرضت سياسات التعليم لادعاءات في التجديد وقفزات في مشروعات التحديث ومزاعم في إجراءات الإفادة من نتاج العلم والتكنولوجيا، ومع انغماسها وافتخارها بتلك المشروعات تركت الجسم الضخم من مؤسسات التعليم الحكومي لما أصابه من جمود، وأقصى ما فعلته أن طعمته -أو أفسدته- بإيجاد بعض المدارس أو مراكز في الجامعات لتدرس باللغة الأجنبية وبمصروفات لا تتحملها إلا الشريحة العليا من الطبقة الوسطى.

والخلاصة: أنه حتى التغيير في وزراء التعليم لا يمكن اعتباره تغييرًا في سياسة التعليم، وما كان يقوم به الوزير الجديد ما هو إلا تغيير سطحي هنا وهناك، وليس في قضايا العدل أو في مزيد من فرص الإتاحة لحق التعليم)، (راجع: "المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين في القرن الحادي والعشرين"، د. حامد عمار، د. صفاء أحمد - مكتبة الأسرة 2015 م، ص 57 - 58، 65- 66 بتصرف).

وفي سياسات عمليات التغيير والتحول المجتمعي تتردد شكوى بأننا نواجه أزمة مقلقة في التوجه نحو آليات الديمقراطية وسياساتها التربوية، ويتضح هذا حين يتم تفادي المسائل الجوهرية كتكلفة التعليم الحكومي والدروس الخصوصية والسكوت عنها، وغير ذلك مما أطلق عليه جسم البنية التعليمية لا أطرافها، كما ننشغل أحيانًا بمسائل جزئية ونضخم أهميتها وتوجيه الاهتمام بمصلحة أبنائنا الطلاب أو أولياء أمورهم أو (سبوبة) توجيههم لسوق العمل.

(ومع التعليم لا ينبغي اتخاذ مواقف تجاهل الواقع، بل لابد من مواجهتنا لإشكالياته أولًا بأول حتى لا تزداد تراكمًا، ويصعب حلها فيما بعد) (المصدر السابق، ص 56 بتصرفٍ) .

يقول د. حامد عمار: (وهذا يعني تخلي الدولة نهائيًّا عن سياسة تسليع التعليم، والعودة إلى تولي مسئولياتها الدستورية والقانونية في كفالة التعليم باعتباره قطاعًا سياديًّا محققًا للأمن القومي، وزيادة معدلات الإنتاج باعتباره استثمارًا إنتاجيًّا إلى جانب كونه خدمة من الخدمات العامة.

وبناء المجتمع الجديد يتطلب تغيير كثير مما تعمق من توجه نحو الاهتمام بتعليم الأقلية؛ سواء في مدارس اللغات أو في الجامعات الأهلية والخاصة، وإعطاء تعليم غالبية الشعب اهتمامًا جانبيًّا، والاكتفاء بأهميته عن طريق شعارات مزيفة ووعود لا تتحقق) (المصدر السابق، ص 64) .

الصفحة التالية