شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (25) آيات من القرآن في ذم القسوة (3)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

وقفات مع قوله -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ) (المائدة:13) .

الأولى: دلت الآية الكريمة على أن نقض الميثاق، والعهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل وتعزيرهم -وهو نصرتهم ومؤازرتهم على الحق الذي بعثوا به-، والإنفاق في سبيل الله، كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (المائدة:12) ؛ أن نقض ذلك -مِن نقض العهد بالإيمان وهو الكفر الذي حدث منهم، وتَرْك ما أُمروا به من الطاعة- هو سبب اللعنة، وهي الطرد والإبعاد مِن رحمة الله، وسبب قسوة القلب.

وقد أخذ الله الميثاق على هذه الأمة بمثل ما أخذ على السابقين: فقال -تعالى-: ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (المائدة:7) ، فالسمع والطاعة لكتاب الله ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإقام الصلاة ونصرة الدين بكل ممكن ومستطاع، والإنفاق الواجب في سبيل الله؛ كلها واجبات شرعية على أمتنا، كما كانت على بني إسرائيل، والخطر كل الخطر في نقض هذا الميثاق؛ فيبعد العبد عن ربه، ويلعن ويطرد، فيشقى أعظم الشقاء.

واللعنة تكون على الكفر -وهذا هو الطرد الأبدي مِن رحمة الله- كاللعنة على إبليس، قال الله -تعالى-: ( وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ) (ص:78) ؛ وقد تكون على الكبيرة كما في آية اللعان، قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) (النور:6-7) ، وكما لعن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخمر عشرة، ولعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه وكاتبه، والمعاصي بريد الكفر ومقدماته؛ فلابد مِن الحذر مِن كل صور البُعد عن الله.

وأما قسوة القلب؛ فهي العقوبة الثانية على نقض العهد، وهي نتيجة البُعد عن الله، وأخطر مظاهر القسوة تحريف الكلم عن مواضعه، وهو يقع على تحريف الكتابة، وهذا وقع مِن أهل الكتابين مِن قبلنا في كتابيهما: التوراة والإنجيل، كما قال -تعالى-: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) (البقرة:79) ، ولا يشك مَن طالع كتبهم، وما فيها مِن أمور كذَّبها القرآن، وكذبتها السُّنة؛ أنها قد وقع فيها التحريف مِن هذا النوع.

وأما الخلاف الذي وقع بين أهل العلم قديمًا بأن هذا النوع لم يقع، وليس بمقدور لأحدٍ أن يخط في كتاب الله بخلاف ما فيه؛ فبالتأكيد أنه لأجل عدم الاطلاع على ما بأيديهم اليوم مما انتشر بينهم، ويحتمل أن يكون في زمنهم -زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة- نسخ صحيحة مِن التوراة.

والاحتمال الثاني: أن يكون ما أُمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يقول لهم: ( فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) (آل عمران:93) ، إنما هو في أمور أعلمه الله أنها ما زالت موجودة في التوراة لم تحرَّف ضمن ما حرَّفوا؛ فليس فيها شهادة بعدم وقوع التحريف كتابة على الإطلاق؛ وإنما في أمور مقيدة، وهذا القول أظهر، مثل: حد الرجم؛ فإن الله أطلع نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن التوراة لا يزال هذا الحد موجودًا فيها، كما قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:41) ، الآيات إلى قوله -تعالى-: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) .

قال: "نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله -عز وجل-، ( مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ) أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون. ( وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ): أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) أي: يستجيبون له، منفعلون عنه ( سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ) أي: يستجيبون لأقوامٍ آخرين، لا يأتون مجلسك يا محمد".

الصفحة التالية