مظاهر القسوة في مجتمعاتنا (25) آيات من القرآن في ذم القسوة (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
إلى أن قال: "والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، وكانوا قد بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم مِن الأمر برجم مَن أحصن منهم؛ فحرَّفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه؛ فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبيٌ مِن أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
وقد وردت الأحاديث بذلك؛ فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويُجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم؛ فأتوا بالتوراة فنشروها؛ فوضع أحدهم يده على آية الرجم؛ فقرأ ما قبلها وما بعدها؛ فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك؛ فرفع يده فإذا آية الرجم؛ فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجما؛ فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة". أخرجاه في الصحيحين -يعني البخاري ومسلم- وهذا لفظ البخاري" (تفسير ابن كثير، وقد ذكر جملة من الآثار المهمة في ذلك فلتراجع) .
ومن ذلك أيضًا ما ذكره الله -تعالى- فيما أحل الله لهم من الطعام؛ فقال -تعالى-: ( كلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (آل عمران:93) ، وقد زعم اليهود أن التوراة فيها تحريم ما حرَّم يعقوب على نفسه وعليهم أيضًا، وليس فيها ذلك، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأتوا بالتوراة، وهذا القول وهو أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أطلعه الله على أشياء لا زالت لم تحرَّف في التوراة فأمرهم أن يأتوا بالتوراة؛ هو الصحيح؛ وليس أن التوراة التي كانت موجودة في زمنه -عليه الصلاة والسلام- هي نسخة صحيحة مِن التوراة.
ومعلوم أن التوراة قد فُقدت عبر تاريخ اليهود الذي ينقلونه، وأيضًا؛ لأن الآية الكريمة قد دلت على وقوع التحريف قبل زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو في زمنه بالكتابة؛ أما ما بأيديهم اليوم فلا يسوغ فيه خلاف، ولا يشك مَن طالعها بوقوع التحريف فيها، وكذا تحريف اللسان ذكره الله -تعالى- في قوله: ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:78) .
وهذان النوعان مِن التحريف -تحريف الكتابة وتحريف اللسان- لا يقعان في كتاب الله -عز وجل- (القرآن العظيم)؛ لقوله -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر:9) ، ولو حاول أعداء الإسلام تحريف بعض آيات في القرآن، أو أخطأ في كتابة المصحف أو طباعته بعض المسلمين؛ فإن ذلك لا يَروج ولا ينتشر، ولا يبقى في أيدي الناس؛ بل يظهر ويبين -بحمد الله-، ولا يقع أبدًا أن يلتبس القرآن بغيره أو ينقص منه أو يزاد كما وقع في الكتب السابقة، بل القرآن متواتر إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأعلى درجات التواتر التي عرفتها البشرية على الإطلاق.
أما النوع الثالث من التحريف فهو: (تحريف المعاني): كما وقع مِن اليهود في شأن حد الزنا -كما سبق-؛ فنسبوا إلى كتاب الله ودينه أنهم يجدون فيه الجلد والتحميم؛ رغم أنهم لم يغيروا رسم التوراة، وهذا النوع مِن التحريف يمكن أن يقع في هذه الأمة مع القرآن؛ بل قد وقع.
فأهل البدع والضلال والانحراف قد حرَّفوا معاني الآيات، وضربوا بعضها ببعض لتمرير بدعتهم وضلالاتهم؛ بل كل مَن أفتى بخلاف الكتاب والسنة الصحيحة الصريحة قد وقع منه ذلك، وإن لم يكن كل مَن فعل ذلك خارجًا من الملة؛ حسب قيام الحجة عليه عند الله، وقد لا ينفعه عند الله عذرنا له وعدم تكفيرنا له؛ لعدم علمنا بإقامة الحجة، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع، إذا كانت قد قامت الحجة بينه وبين الله -تعالى- العليم الخبير.
فمَن استجاز لنفسه أن يَنسب إلى الدِّين ما ليس منه، ويقول قد حرَّم الله كذا، وأحلَّ كذا على خلاف الحق الذي علمه؛ لا ينفعه عذر الناس له في الدنيا، وكلما ازداد الجهل والفتن ازداد هذا النوع من التحريف الذي هو علامة على قسوة القلب؛ بل ربما كان الرجل يُشار إليه بالبنان في الوظائف العلمية، وهو ممَن يحرف الكلم عن مواضعه، ويوجب على الناس ما لم يوجبه الله، ويحرم عليهم ما لم يحرمه الله، ويحل لهم ما لم يحل الله، ويشرع لهم ما لم يأذن به الله، بل ربما شرع لهم الشرك وهو يزعم أنه التوحيد.
وما أخطر المعنى الذي اختار ابن القيم من أجله عنوان كتابه في الأصول؛ حيث عنون كتابه بـ"إعلام الموقعين عن رب العالمين"؛ فالعلماء على خطر عظيم؛ لأنهم بفتاواهم المنسوبة إلى الدِّين كأنهم يوقعون نيابة عن رب العالمين؛ لأنهم يقولون: الشرع أحل، والشرع حرَّم، وأوجب، وهذا كله منسوب إلى الله -تعالى- ثم إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكل ذلك إذا كان مع مخالفة الدليل لَعظيمُ الخطر، وهو مع الجهل أعظم، وهو سبب ضلال الأمم، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) (متفق عليه) .