شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفوز والخسران

حسن حسونة • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالفوز والخسران كلمتان متضادتان في الكم والكيف؛ إحداهما تعبِّر عن شيءٍ، والأخرى تعبر عن عكسه، ولكل واحدة منهما استعمالها وميزانها، كما تقول: الليل والنهار، والشمس والقمر، والدنيا والآخرة، فكلها من المتضادات.

فالفوز: هو أن ينال العبد مراده ومبتغاه.

والخسران: ضد ذلك.

وهما كلمتان تتكرران مرات ومرات، وتتوالى كل كلمة منهما على أسماعنا في الأوساط الرياضية والتجارية والاجتماعية؛ فتسمع الفريق الفلاني فاز على الفريق الآخر، وفلان فاز وتحصل على عقد تجاري أو صفقة تجارية، وفلان كان يسعى ليتزوج بامرأة ففاز بها! وهكذا يسير الأمر في حياة الناس، ومعايير الخسارة ضد ذلك.

وهذه معايير في زمن تغيرت فيه المعايير حتى أصبح الخطأ صحيحًا والصحيح خطأ، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والحق باطلًا والباطل حقًّا، في السنوات الخداعات. نسأل الله السلامة.

لكن المؤمن يهتدي بهدى الله، ويسير بنور الله، فإن كان الفوز والخسران هذا معناه في الأمور الحياتية في أمور الدنيا؛ فما المعنى الحقيقي لهما في نظر الشرع لهما؟!

يا ترى... ما الميزان الحقيقي لهاتين الكلمتين؟

لقد ذكر الله -عز وجل- لفظة الفوز ومشتقاتها في كتابه نحوًا من واحد وثلاثين مرة، وجاءت كلمة الفائزين في أربعة مواضع من القرآن فلنعرضها ونتأملها.

الموضع الأول في سورة التوبة: قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (التوبة:20) ، فهؤلاء قدَّموا النفس والنفيس، وبذلوا الغالي والرخيص لإعلاء كلمة الله في الأرض، فأخبر الله عن فوزهم في الدنيا والآخرة، وأنهم ( يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ) فيا لها مِن سعادة ويا له من فوز!

كما استشعر ذلك المعنى حرام بن ملحان -رضي الله عنه- خال أنس بن مالك -رضي الله عنه-؛ ففي العام الرابع من الهجرة لما جاء عامر بن مالك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاه للإسلام فلم يسلم، ولم يبعد، وقال: "يا رسول الله، لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك؛ لرجوت أن يجيبوهم"، فقال: "إني أخاف عليهم أهل نجد"، فقال عامر: "أنا جار لهم"، فبعث معه سبعين رجلًا، وكانوا من خيار الصحابة، فساروا يحتطبون بالنهار يشترون به الطعام، ويتدارسون القرآن بالليل حتى نزلوا بئر معونة ثم بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم ينظر فيه وأمر رجلًا فطعنه بحربة مِن خلفه فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حينها حرام بن ملحان: ( فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ) (متفق عليه) ، وقتلوا بقية السرية فدعا عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثين صباحًا إلى أن نزل قول الله: "بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا، وَأَرْضَانَا"، وهي مما نسخ، وترك النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء.

هذه نفوس عالية زهدت في حطام الدنيا الفانية، واستعدت لما أمامها من الحياة الحقيقية السرمدية ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت:64) ، فعلموا أن الفوز الحقيقي في الحصول على ما أعده الله للمتقين، مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

الموضع الثاني في سورة السجدة: قال الله -تعالى-: ( إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (المؤمنون:111) ، صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على الأقدار المؤلمة التي مرت بهم، فكانت المكافأة أنهم هم الفائزون؛ ربح صهيب الرومي -رضي الله عنه- وفاز حينما ترك ماله لكفار قريش حتى يتركوه يهاجر في سبيل الله كما فازت سمية -رضي الله عنها- أم عمار، أول شهيدة في الإسلام؛ فهذا هو الفوز الحقيقي، فالفوز الحقيقي: أن تعيش صابرًا على ما أمرك الله به من طاعته، وعن معصيته ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (الزمر:10) .

الموضع الثالث في قول الله -تعالى-: ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (النور:51-52) ، فطاعة الله ورسوله فوز عظيم؛ أن يصطفيك الله ويجعلك من أهل طاعته، فهذا هو الفوز الحقيقي، وأن تكون مع الراكعين الساجدين الصائمين الصادقين التالين لكتابه، المسبحين المستغفرين؛ فهذا هو الفوز الحقيقي، كما قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف"، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن في الدنيا جنة مَن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، وهي جنة الإيمان بالله والعمل الصالح.

- الموضع الرابع في قوله -تعالى-: ( لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ) (الحشر:20) ، نعم لعمر الله! أي فوز بعد هذا الفوز؟!

حين يدخل العبد الجنة وينعم فيها، فلا يبأس أبدًا، ويحل عليه الرضوان فلا يسخط الله عليه أبدًا، وإن كان العبد بغمسة واحدة في الجنة ينسى الشقاء الذي كان يعيشه في الدنيا؛ فكيف بالإقامة السرمدية؟!

الصفحة التالية