شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفوز والخسران

حسن حسونة • التزكية

عرف الأولون ذلك فعملوا لها، وتركوا حطام الدنيا الفاني، وأقبلوا على الله بقوالبهم وقلوبهم، فسخروها لمرضاة الله، فعلموا بالصفقة الغالية التي فيها بيع وشراء بين الرب والعبد، فتاجروا مع الله وربحوا النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:111) ، فلا أحد أوفى مِن الله.

( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس:26-27) ، قالها مؤمن آل يس لما قدَّم روحه دفاعًا عن المرسلين، فقتله قومه، فعلم بالفوز الحقيقي.

فالفوز والخسران لهما موازين خاصة في القرآن والسنة؛ فالفوز أن يعمل العبد بطاعة الله على نورٍ مِن الله، يرجو ثواب الله، ويجتنب معصية الله على نور من الله، يخاف عقاب الله.

الفوز أن يسلك سبيل الهداية، ويجتنب سبل الغواية والفساد.

الفوز أن تتحقق له حلاوة الإيمان، وطعم الإيمان، ويحقق أركان الإيمان، فيؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وفي الآخرة الفوز بالجنة، بل الفردوس الأعلى، ويتمتع بلذة النظر إلى وجه الله الكريم.

أما الخسران: فليس بخسران المال، ولا الولد، ولا المنصب، ولا الدنيا بأسرها؛ كان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، فنعوذ بالله أن تكون الخسارة في الدين.

ومِن الخسارة: أن يعبد الإنسان ربه على حرفٍ ( فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الحج:11) .

ومن الخسران: أن يقع المسلم في العلماء والدعاة والصالحين، فيسبهم ويطعن فيهم، فحرمة العلماء معلومة، ولحومهم مسمومة، وسنة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة.

وأعظم الخسران: أن يرى الناس في نجاة يوم القيامة، ويلقى به في النار عياذًا بالله، فيخسر نفسه وأهله ( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) (الزمر:15) ، وإذا علمت أن أهون الناس عذابًا يوم القيامة مَن يلبس خفين مِن نار يغلي منها دماغه؛ فكيف بأشدهم؟!

وإذا علمت أن غمسة واحدة في النار تنسي نعيم الدنيا بأسرها؛ فكيف بالإقامة السرمدية؟! لتعلم أن ذلك هو الخسران المبين.

فلنعمل بأسباب الفوز والربح الدنيوي والأخروي، ولنجتنب أسباب الخسارة الدنيوية والأخروية، فالعاقل اللبيب لا يبيع حظه الخالد بحطامٍ فاني.

نسأل الله أن يجعلنا من الذين يفوزون ويربحون، ويجنبنا الخسران في الدنيا والآخرة.

الصفحة السابقة